إبراهيم عيسى يكتب | ما رأت الحبيبة

إبراهيم عيسى يكتب | ما رأت الحبيبة

ابراهيم-عيسى

غمضت الحبيبة جفنَيها على عيون أيقظها أول شعاع شمس خرج على الوجود، فأشرقت عيناها ضياءً، فانشق السقف عن ملك بديع القوام، ذهبى الملبس، أسود الشعر، مُبتسم الثغر، مُشرق الجبهة، دافئ العينين، يمسك بعصا صغيرة مُنَسَّقة قصيرة خضراء.- إنى أعوذ بك من الرحمن إن كنت إنسيًّا.

قالتها فى هدوء منير، فاتسعت ابتسامة الملك، ووقف قبالتها وانثنى على ركبتيه.

– أيتها الحبيبة أنا رسول إليكِ، قادم من الفضاء إلى عينيكِ، أنا أحد الملائكة الذين حاربوا مع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، فى معركة بدر، يوم خرج الكفار على ألف من فرسانهم ورجالهم، وأمرنا الله أن نحارب مع نبيِّه، وكنت يومها على فرس سماوى، أرفع السيف وأقتل الكفر، يومها فى ملحمة القتال وروعة النضال وضحى الإسلام وفجر الحقيقة وإشراق الرسالة.. أخذتنى فى راحة المعركة نظرة إلى السماء فوجدت عينيكِ باسمتين حانيتين فيهما ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب ملك.

فبدت منى رجفة السؤال وتضرُّع الدعاء.

– متى ألقاها؟

وكنت كلما تذكَّرتكِ، وأشرقت عيناكِ فى سقف قلبى، وارتعشت رموشها ريش الجناح، سبحت الله كثيرًا وحمدته حمد الشاكرين الطاهرين وتقطَّرت دموع الدعاء فى عصير الفؤاد، حتى جىء بالملائكة صفًّا صفًّا.. ومن بينهم ودون فضلهم حظيت بالحضور إليكِ والنعيم بحراسة عينيكِ، وعبرت السماوات السبع، والفضاء الروع وسخونة الدمع، وجئتكِ برزق الله وفضله ونعمائه وآياته.

ثم مدّ الملك يده بعصاه، فانفرجت فتحة فى سقف المبنى، واخترقتها يمامة بيضاء ترفرف بالجناح، وتعلو بالصياح، تقترب من الملك فتقف على كتفه وتنظر إلى الحبيبة بعينين منتظرتين مشتاقتين.

أشار الملك إلى الحبيبة الجالسة الوادعة على طرف سجادتها تجاه قِبلتها، وطلب منها أن تقف، هادئة آمنة تتكئ على كفّها اليسرى، مستندة بفرش السجادة، فاردة ساقَيها عن وقفة معتدلة ممشوقة مرسومة.

فأمال الملك كتفه فهبطت اليمامة حتى الأرض، وفتحت جناحها عن آخره، فاتسع وأفسح لعين الحبيبة رؤية زغب ريشها ونقاء بطنها، تأمَّلت الحبيبة لحم اليمامة، ترى انفراج اللحم وانفتاقه واتساعه واحتضانه جسد الحبيبة واحتواءه.

تجوَّلت الحبيبة بعينيها فى النهار المشرق داخل جسد اليمامة، تشم عطرًا وشذًا وتشعر رطبًا منعشًا، وارتاح جسدها على فُرُشٍ ممدودة ووسائد محفوظة وأرائك مسنودة وسُرُرٍ مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة.

وأَحَسَّت طيران اليمامة وعبورها الفضاء والسماوات، ولمحت جلد اليمامة يرق ويشف حتى انفتحت نافذة طلَّت منها الحبيبة على الأرض فإذا بالصحراء واسعة والجبال تقترب واليمامة تحط عند بقعة من الصحراء المكشوفة.

امتدت يد الملك وجذبت كفَّها، أنزلت قدمها على سُلّم مستند إلى بطن اليمامة، فلمست الرمل المفروش فالتمعت ذراته لما وطئته حواف خُفّها.

التفتت الحبيبة فوجدت السيدة هاجر تحتضن النبى إسماعيل طفلاً رضيعًا، تبحث له عن قطرة ماء فلا تجد، تطوف وتسعى، العرق يحفر رسومه على جبهتها والارتباك يمص انتظام حركتها ولهفتها على إطعام ابنها وسُقياه تجعلها تدور وتلهج وتبكى وتتردَّد، وتمسك ابنها فتضمَّه، ثم تجلسه وتمضى.. ثم تصعد جبلاً وتهبطه، ثم تنظر إلى السماء وتضرع، ثم تعبث فى الرمل وتدمع، ثم تهمس تخاطب زوجها الغائب وتجلس ملتاعة مأخوذة منهكة القوى مسلمة أمرها لله.

حتى دبَّت قدم إسماعيل فى الأرض فرجَّتها وهزَّتها وحفرتها وزلزلتها، فتحرَّكت وأطلقت صخرها وحجرها ورملها ثم أخرجت دفقًا من الماء الرائق الصافى المُرسل، فامتدت يد الملك على حفنة الماء الأولى وأجمعت قطراتها على كفّه وتقدّم من الحبيبة، فغسل وجهها وعطَّر عينيها ولفَّ رموشها.

وسبَّح باسم الله بكرةً وأصيلاً وصلّى على أنبيائه، أبيهم وخاتمهم، ومضيا.

صعدت الحبيبة إلى بطن اليمامة، وارتكنت على إفريز نافذتها وقد شعرت نور زمزم فى هدبها وضياء مائه فى جفنها، إشراق دفقته البكر فى عينيها، فإذا بها تنظر أرضًا جدباء وجمعًا من الناس حول بئر، فهبطت اليمامة توًّا، وأنزلت الحبيبة فورًا.

دنت الحبيبة والملك يتبعها ويسبقها ويجاورها ويحيطها ويلفّها، فرأت إخوة يوسف يحاصرونه ويهينونه، ويوسف متضرّعًا مذعورًا من خونة إخوته وغدرة بنى دمه وذوى رحمه. يستغيث بالطعام -أكلوه فى صحن واحد على أرض واحدة- يذكّرهم التفافهم حول أبيهم بعد صلاة، جريهم فى حديقة الدار، ذهابهم للسوق، يحرسونهم ويحرصون عليه، ينتظر دمعة، ينظر رجفة شَفَة، لكنهم تحجَّروا وتصخَّروا وانفسخت عيونهم عن حقد بلا قرار، وغضب وشرر، فصاروا يلكزونه ويدفعونه ويرفعون من جسده إلى جدار البئر، فيستصرخهم ويدعو رَبَّه، ويستغيث بأبيه فيضربوه ويلكموه..

فيضرع..

– يا أبى لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

نبت العرق، ذرات التراب، خيوط الجرح، بقع الدم، تنتشر على وجه يوسف، فينزعون عنه قميصه ويجذبونه ويلفّون حبالهم حول خصره ويسقطونه فى قلب البئر ويكنسون بقايا الرحمة فى شفاههم.

– ادع الشمس والأحد عشر كوكبًا تؤنسك.

ومدّوا أياديهم الخشنة الفظَّة الغليظة وقد أحكمت قبضاتهم حول حبلهم الملتف حتى وصل جسده إلى منتصف البئر.

فلما وقع يوسف فيها، اندفع ماء من القاع حتى السطح، وتقاذفت مياه حول جدار البئر، فمدّ الملك كفَّه وملأ حفنة من أول قطر للماء واقترب من وجه الحبيبة فغسل وجهها وعطَّر عينيها ولفّ رموشها، فاختلط ماء البئر فوق العين بدمعها المسكوب على يوسف الصديق، فامتزج دمعها بماء زمزم، واعتنقت القطرات رذاذ الماء وتعانقت فى عين الحبيبة، فإذا باليمامة تفتح جناحها وتصعد الحبيبة إليها وترتكن على إفريز نافذتها فرأت إخوة يوسف يرحلون وقد أمسكوا بالقميص يلوِّثونه بالدم.

بينما لاح من بعيد رجل فى رحلة متجهًا نحو البئر.

– إنى أعوذ بك من الرحمن إن كنت إنسيًّا.

قالتها فى هدوء منير، فاتسعت ابتسامة الملك، ووقف قبالتها وانثنى على ركبتيه.

– أيتها الحبيبة أنا رسول إليكِ، قادم من الفضاء إلى عينيكِ، أنا أحد الملائكة الذين حاربوا مع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، فى معركة بدر، يوم خرج الكفار على ألف من فرسانهم ورجالهم، وأمرنا الله أن نحارب مع نبيِّه، وكنت يومها على فرس سماوى، أرفع السيف وأقتل الكفر، يومها فى ملحمة القتال وروعة النضال وضحى الإسلام وفجر الحقيقة وإشراق الرسالة.. أخذتنى فى راحة المعركة نظرة إلى السماء فوجدت عينيكِ باسمتين حانيتين فيهما ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب ملك.

فبدت منى رجفة السؤال وتضرُّع الدعاء.

– متى ألقاها؟

وكنت كلما تذكَّرتكِ، وأشرقت عيناكِ فى سقف قلبى، وارتعشت رموشها ريش الجناح، سبحت الله كثيرًا وحمدته حمد الشاكرين الطاهرين وتقطَّرت دموع الدعاء فى عصير الفؤاد، حتى جىء بالملائكة صفًّا صفًّا.. ومن بينهم ودون فضلهم حظيت بالحضور إليكِ والنعيم بحراسة عينيكِ، وعبرت السماوات السبع، والفضاء الروع وسخونة الدمع، وجئتكِ برزق الله وفضله ونعمائه وآياته.

ثم مدّ الملك يده بعصاه، فانفرجت فتحة فى سقف المبنى، واخترقتها يمامة بيضاء ترفرف بالجناح، وتعلو بالصياح، تقترب من الملك فتقف على كتفه وتنظر إلى الحبيبة بعينين منتظرتين مشتاقتين.

أشار الملك إلى الحبيبة الجالسة الوادعة على طرف سجادتها تجاه قِبلتها، وطلب منها أن تقف، هادئة آمنة تتكئ على كفّها اليسرى، مستندة بفرش السجادة، فاردة ساقَيها عن وقفة معتدلة ممشوقة مرسومة.

فأمال الملك كتفه فهبطت اليمامة حتى الأرض، وفتحت جناحها عن آخره، فاتسع وأفسح لعين الحبيبة رؤية زغب ريشها ونقاء بطنها، تأمَّلت الحبيبة لحم اليمامة، ترى انفراج اللحم وانفتاقه واتساعه واحتضانه جسد الحبيبة واحتواءه.

تجوَّلت الحبيبة بعينيها فى النهار المشرق داخل جسد اليمامة، تشم عطرًا وشذًا وتشعر رطبًا منعشًا، وارتاح جسدها على فُرُشٍ ممدودة ووسائد محفوظة وأرائك مسنودة وسُرُرٍ مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة.

وأَحَسَّت طيران اليمامة وعبورها الفضاء والسماوات، ولمحت جلد اليمامة يرق ويشف حتى انفتحت نافذة طلَّت منها الحبيبة على الأرض فإذا بالصحراء واسعة والجبال تقترب واليمامة تحط عند بقعة من الصحراء المكشوفة.

امتدت يد الملك وجذبت كفَّها، أنزلت قدمها على سُلّم مستند إلى بطن اليمامة، فلمست الرمل المفروش فالتمعت ذراته لما وطئته حواف خُفّها.

التفتت الحبيبة فوجدت السيدة هاجر تحتضن النبى إسماعيل طفلاً رضيعًا، تبحث له عن قطرة ماء فلا تجد، تطوف وتسعى، العرق يحفر رسومه على جبهتها والارتباك يمص انتظام حركتها ولهفتها على إطعام ابنها وسُقياه تجعلها تدور وتلهج وتبكى وتتردَّد، وتمسك ابنها فتضمَّه، ثم تجلسه وتمضى.. ثم تصعد جبلاً وتهبطه، ثم تنظر إلى السماء وتضرع، ثم تعبث فى الرمل وتدمع، ثم تهمس تخاطب زوجها الغائب وتجلس ملتاعة مأخوذة منهكة القوى مسلمة أمرها لله.

حتى دبَّت قدم إسماعيل فى الأرض فرجَّتها وهزَّتها وحفرتها وزلزلتها، فتحرَّكت وأطلقت صخرها وحجرها ورملها ثم أخرجت دفقًا من الماء الرائق الصافى المُرسل، فامتدت يد الملك على حفنة الماء الأولى وأجمعت قطراتها على كفّه وتقدّم من الحبيبة، فغسل وجهها وعطَّر عينيها ولفَّ رموشها.

وسبَّح باسم الله بكرةً وأصيلاً وصلّى على أنبيائه، أبيهم وخاتمهم، ومضيا.

صعدت الحبيبة إلى بطن اليمامة، وارتكنت على إفريز نافذتها وقد شعرت نور زمزم فى هدبها وضياء مائه فى جفنها، إشراق دفقته البكر فى عينيها، فإذا بها تنظر أرضًا جدباء وجمعًا من الناس حول بئر، فهبطت اليمامة توًّا، وأنزلت الحبيبة فورًا.

دنت الحبيبة والملك يتبعها ويسبقها ويجاورها ويحيطها ويلفّها، فرأت إخوة يوسف يحاصرونه ويهينونه، ويوسف متضرّعًا مذعورًا من خونة إخوته وغدرة بنى دمه وذوى رحمه. يستغيث بالطعام -أكلوه فى صحن واحد على أرض واحدة- يذكّرهم التفافهم حول أبيهم بعد صلاة، جريهم فى حديقة الدار، ذهابهم للسوق، يحرسونهم ويحرصون عليه، ينتظر دمعة، ينظر رجفة شَفَة، لكنهم تحجَّروا وتصخَّروا وانفسخت عيونهم عن حقد بلا قرار، وغضب وشرر، فصاروا يلكزونه ويدفعونه ويرفعون من جسده إلى جدار البئر، فيستصرخهم ويدعو رَبَّه، ويستغيث بأبيه فيضربوه ويلكموه..

فيضرع..

– يا أبى لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

نبت العرق، ذرات التراب، خيوط الجرح، بقع الدم، تنتشر على وجه يوسف، فينزعون عنه قميصه ويجذبونه ويلفّون حبالهم حول خصره ويسقطونه فى قلب البئر ويكنسون بقايا الرحمة فى شفاههم.

– ادع الشمس والأحد عشر كوكبًا تؤنسك.

ومدّوا أياديهم الخشنة الفظَّة الغليظة وقد أحكمت قبضاتهم حول حبلهم الملتف حتى وصل جسده إلى منتصف البئر.

فلما وقع يوسف فيها، اندفع ماء من القاع حتى السطح، وتقاذفت مياه حول جدار البئر، فمدّ الملك كفَّه وملأ حفنة من أول قطر للماء واقترب من وجه الحبيبة فغسل وجهها وعطَّر عينيها ولفّ رموشها، فاختلط ماء البئر فوق العين بدمعها المسكوب على يوسف الصديق، فامتزج دمعها بماء زمزم، واعتنقت القطرات رذاذ الماء وتعانقت فى عين الحبيبة، فإذا باليمامة تفتح جناحها وتصعد الحبيبة إليها وترتكن على إفريز نافذتها فرأت إخوة يوسف يرحلون وقد أمسكوا بالقميص يلوِّثونه بالدم.

بينما لاح من بعيد رجل فى رحلة متجهًا نحو البئر.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.