إبراهيم عيسي يكتب| اقتلها حين تشرح

ابراهيم-عيسى

هل يقرؤون؟ هؤلاء الذين يخدمون التطرف والإرهاب وجماعة الخيانة حين يصممون على الأولويات الخاطئة.. ويخدمون أهداف ومصالح الإخوان كأنه مرض عضال عند هؤلاء الذين لا يتوقفون عن استنزاف مصر بالعمل بمنتهى حسن النية والإخلاص (!!) فى خدمة الأجندة الكارهة والمعادية.

هل قرؤوا قصة «اقتلها» للمبدع العظيم يوسف إدريس؟

هى شارحة جارحة لمن يملك وجدانًا وقلبًا ليفهمها، سألخصها هنا لكَ مستخدمًا نص القصة بتصرّف:

«إنه مصطفى، لقد سبقهم إلى السجن، هذا صحيح رغم أنه الأصغر، فقد جاء متهمًا فى جريمة قنبلة ألقاها فى ملهى بشارع الهرم. لم يمت بها أحد -هذا صحيح- ولكنها جعلت منه كبيرًا وبطلًا ودخل السجن. وكم عضَّ أصابع يديه العشرة ندمًا، فقد كانت رعونته هى السبب.. كان واجبًا أن ينتظر إلى أن يعد خمسة ثم يقذفها بقوة، ولكنه استعجل وقذفها وهو يعد الثالثة خوفًا أن تنفجر فى يده، وبظهورها بلونها الأحمر الغريب المثير المرعب انكفأ الكل على وجوههم، وكل ما ناله ليلتها قطعة من فخذ الراقصة الدهنى الذى جُرح، ظلت لاصقة بين ياقة قميصه وجلد رقبته. وكلما حاول استخراجها ضربوه مخافة أن تكون ثمة حركة مباغتة أو بداية عدوان، وهو يحس بها قطعة من نار الجحيم اللاصقة قد غرزت كاوية فى جلده، حارقة لحمه حتى نخاع النخاع، وفقط عند مطلع الفجر ينجح فى انتزاعها. ينتزعها هى ولكن أثرها لا يمحى.. يكاد يكون إلى الآن باقيًا.

مصيره معروف. ذهب للسجن حيث للنساء موعد فسحتهن وللرجال موعد، بل هى مواعيد أربعة، موعد لحرماتهم من المسجونات، وموعد للشيوعيين الرجال. يدخل هؤلاء ليخرج إلى الفناء هؤلاء. وكانت الجماعة، حتى قبل أن يلاحظ مصطفى، قد لاحظت أن شيوعية معينة تتلكأ دائمًا لتكون آخر من تدخل قسمهن. وبتتبعهم الحذر الذكى إلى حيث تتجه عيون المتلكئة حددوا الهدف.

وقلب سوزان يدق. وما أغرب هذا القلب وهو يدق فكأنما لا مبادئ ولا عقائد ولا نيران تحول بينه وبين الدق إذا أراد أن يدق، حتى وهو يتعمد أن لا يراها ولم يرفع عينه عن الأرض.

وهذه المرة دق قلبان. قلب من فولاذ عمره ما دق، (مصطفى الإرهابى) وقلب من الوجد كان قد ذاب حتى تحول إلى عِهن منفوش… شيوعية رقْطاء، ولكن سبحانك ربى توزع الملامح على من تشاء بغير حساب لكأنها من بنات حور العين، حكمتك، تؤتى الملك من تشاء وتمنح عيونًا ما وقع عليها وجه إلا وخرَّ صريعًا لمن تشاء.

وأصبح الحدث هو الحديث الوحيد الدائر بين جانبى السور. وفى اليوم الرابع بعد الحدث استدعوه، أو هكذا خُيّل إليه أنه هو وحده الذى ذهب إلى الطابق الثالث.

اجتمعوا به وأمره شيخه: توكل يا ولدى على المولى فلقد قتلت فيك كل ما كان فيك يا مصطفى، وهى بسبيلها الآن لتأخذ منك كل ما تبقى لنا فيك، لتقتلنا هذه المرة كلنا. إنها عدوة.. عدوتك وعدوتنا، ولا حياة لك أو لنا لدعوتنا إلا مقتلها. لقد جاؤوا بها خصيصا ليطعنونا من خلالك…..

– ولكنى لم أعصَ.

– فلتقطع إذن فالتردد عصيان قادم.

– لست مترددًا

– اقتلها إذن. تقتلها.. أليس كذلك يا مصطفى؟

من سابع بئر فى قراره جاء صوته:

– اقتلها.

– غدًا إن شاء الله.

– فى نفس موعد لقائكما.

– فى نفس موعده.

– على بركة الله يا بنىّ اذهب…

– ولماذا هى.. هى بالذات؟

لأنها الأجمل..

ولكن الجمال..

– جمال العدو قوة له وضعف لنا.

– ولماذا أنا بالذات؟

– لأنك المطمع. نقطة قوتنا وأيضا نقطة ضعفنا.

– ألا يمكن لأحد؟

– لا يمكن..

فى موعد ومكان لقائهما عند أسوار السجن؛ أدخلت كل يد من يديها فى ثغرة بين عمودين. أطبقت بيديها على رأسه من الخلف فى تساؤل ملهوف. جذبت الرأس إلى أمام فجأة فاقشعرّ بدنه رعبًا وبرزت جبهته من ناحيتها. مدت ومطت شفتيها ولمست بها جبهته لتعرف إن كان محمومًا، فقد كان أصفر شاحب الوجه تمامًا ويرتجف…

عيناه مفتوحتان إلى آخرهما وموجهتان تمامًا إلى وجهها ولكن لا يراها. أوقف السمع والبصر.

بارتجافة أمسكها من كتفيها.. التفّت كل يد حول رقبتها النحيلة وأطبقت عليها. ذهلت يداه. انتظر انتفاضة انزعاج، إشاحة احتجاج، ولكن الرقبة بقيت ساكنة وديعة بين يديه…

غضب كما لم يغضب فى حياته غضب. احمرّت الدنيا.. أنزفها من فرط غيظه كل دم الظهيرة الحمراء، فالشراسة حين لا ترتطم بما يغذيها تفزع، وفى فزعها تغضب، وكأنما تلاقى أعتى الأعداء.. فعدوها.. عدو الشراسة ليس الشراسة. عدوها الأكبر والأوحد هو الوداعة.. كأنها كل الشجاعة، الأقوى من الشجاعة، أعتى أعداء الشجاعة…

ولكن فورًا تموتين الآن يا ساحرة…».

قتلها إذن..

هل فهمتم إذن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.