إبراهيم عيسي يكتب| البعض الذى يولع بجاز

ابراهيم-عيسى

تنتشر فى الريف المصرى عادة الانتحار بالنار، يدلق الشخص المنتحر على نفسه صفيحة جاز ويولّع فى نفسه فيحترق ويموت.

ولسنا فى حاجة إلى تأكيد أن الانتحار مذموم ومرفوض إنسانيًّا ودينيًّا، فهذا لا شك فيه، لكن ألا يسترعى الانتباه فعلًا أن يكون الانتحار بتوليع الجاز والنار فى جسد الشخص هو الأشهر فى طرق الانتحار فى مصر؟!

غريبة حقًّا! غريبة إلى الدرجة التى انتشر معها تعبير يومى حينما نغضب من أحد ونرى أنه لم يعُد يهمّنا، أو أن ردود أفعاله لم تعُد تشغلنا، باختصار رمينا طوبته، فإذا نبهنا أحد إلى أنه قد يغضب، نقول «يتحرق» أو «إن شا الله يولع بجاز».

هذا فقط دليل الانتشار إلى الحد الذى جعل الانتحار بالحرق جزءًا من مكوناتنا الاجتماعية وكلامنا المأثور، وما يثور فى النفس هنا أن الانتحار بالحرق أمر قاسٍ وعنيف وملىء بالعدوانية تجاه النفس وتجاه الآخرين، فالمنتحر أمامه أن يتخلص من حياته بأن يعبّ زجاجة بوليس النجدة، أو يقطع شريانه مثلًا، أو يضع كل مخزون الأسبرين فى أى أجزخانة فى جوفه.. وخلاص، يريّح ويرتاح.

لكن التوليع بجاز لا يريح مع ولا يرتاح.

بل هو مقصود تمامًا فى اختياره، فالشخص حينما يولّع فى نفسه فالجميع فى البيت وحتى الجيران مهددون بأن تشبط النار فى حطب أو ستارة وتأكلهم، ثم المنتحر نفسه إذا نجا من الموت فقد لا ينجو من التشوه (!)، قسوة بالغة ومدمرة مع النفس ومع الآخرين، تنمّ عن أنها صادرة من إنسان فاقد الأمل، مُحبَط، حزين إلى درجة مذهلة موجعة، مخنوق موجوع، يشعر أن كل الطرق انسدّت فى وجهه، وقع فى أزمة طاحنة…

ولكن هذا الإنسان يتخيَّر الموت بالحرق للإعلان عن مدى كراهيته لنفسه قبل كراهيته للآخرين.

هذا فى الحقيقة -ومن الآخر- ما أراه وقد تحول من الأشخاص إلى المجتمع!

المجتمع فى حالة غريبة من التخبُّط والتوتر والعصبية تجعل البعض حين يحاول الإعلان عن غضبه لا يختار وسيلة أكثر رقة وأقل عنفًا، بل يختار أن يولع بجاز وأن يشتعل الحريق فيه كى يصيب كل أبنائه بالنار.

الفارق الوحيد بين الشخص حين ينتحر بالنار والمجتمع حين ينتحر بالنار.. هو حجم الصفيحة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.