إبراهيم عيسي يكتب| جماعات الله المختارة

ابراهيم-عيسى

رغم كل الأحاديث المنسوبة زورا إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم فإن أحدًا لم يجرؤ أن ينسب إليه أمرًا بارتداء طفلة الحجاب، بل إن النبى أصلًا لم يذكر كلمة «حجاب» فى أى حديث صحيح أو مكذوب.

إذن عندما تظنّ عائلة أن تحجيب طفلتيها عمل يقرِّبها إلى الله ورسوله فهى فى حقيقة الأمر تعبِّر عن أكثر ظاهرة منتشرة فى مصر هذه الأيام وهى التنطع فى الدين نتيجة الجهل به.

عندما خرج النبى مهاجرًا من مكة بكى وهو يودِّعها ويقول: «لولا أن أهلك أخرجونى ما خرجت»، فقد كانت أحب بقاع الله إلى قلبه، ولو كان لها نشيد وطنى أو سلام مكى لردده النبى وغناه ساعتها، وحين وقف النبى حين عبرت جنازة أمامه كان يعطينا مثلًا عمليًّا بأن الوقوف هو احترام لحدث جلل وتعبير عن مشاركة وتضامن.

ومع ذلك يرفض وُعاظٌ الوقوف احترامًا للسلام الجمهورى ويعتبرون حب الوطن بالغناء له أو بالموسيقى حرامًا، ونسى هؤلاء أن الحروب والغزوات الإسلامية كلها لم تبدأ إلا بقرع الطبول، وهى موسيقى الحروب والوطنية.

إنه تنطع يتمسّح بالتشدد، وكلاهما مرفوض ومذموم رغم ادّعاء أصحابهما أن هذا هو التدين الصحيح بينما هو عين التنطع.

حين يستغرق السلفيون والإخوان فى التقوُّل عن صلاة فلان أو صيام علان أو التزام هذا أو ذاك فهذا تنطُّع.

عندما يكثر الإخوان ومهاويسهم وجُهَّالهم الكلام عن أنفسهم بأنهم الأكثر تديُّنًا من رافضيهم ولافظيهم ومخالفيهم وأن هذا التعس محمد مرسى أكثر التزاما وتديُّنًا من الذين طردوه، وعندما ينتقصون من تديُّن الشعب والشخصيات الكارهة لهم، فهذا تنطُّع، بل وتباهٍ بالنفاق، فالمتدينون لا يقومون بإعلانات عن تديُّنهم ولا يراؤون الناس بإيمانهم ولا يفتشون قلوب غيرهم ولا يوجد كائن من كان يستطيع أن يقيس تديُّن شخص وإيمانه، لكن الإخوان مَرْضَى بالتنطُّع والتعالى بإيمان زائف، فالإيمان الحقيقى يقود أصحابه إلى التواضع لا إلى الغرور الأحمق والتباهى بركوع وسجود كأنهم وحدهم من يركعها لله، وكأنهم جماعة الله المختارة.

إن كل انحراف وإرهاب وتطرُّف وهوس فى التاريخ الإسلامى مارسته جماعات اعتبرت نفسها جماعة الله المختارة.

كأننا أمام تنطُّع متزايد ومتسارع واستعراضى يدفعنا إلى التساؤل حول مدى ما تستوعبه عقول وُعَّاظ الفضائيات الدينية وشيوخ معاهد الدعاة من الدين فعلًا، فيعلمون الناس جهلًا ملفوفًا بادِّعاء التديُّن.

أغلب الظنّ أن هؤلاء المتنطعين يروّجون لجمهورهم أن ما يقولونه هو الإسلام الحق والإيمان الصحيح، وأن المنحرفين من أهل الباطل هم الذين يعتبرون لغوهم وغِلَّهم وغُلُوَّهم تنطُّعًا.

هذه مشكلة العقول المسطحة والممسوحة التى تصدِّق أن رجلًا يتوضأ عشر مرات خشية عدم صحة ودقة وضوئه هو تديُّن بينما هو وسواس قهرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.