إبراهيم عيسي يكتب| وماذا عمَّا قبل الستِّين عامًا؟

ابراهيم-عيسى

زادت على حدِّها جدًّا، وصار أىّ عيِّل معدِّى فى الشارع يبغبغ بأن مصر تعانى من حكم العسكر منذ ستين عاما ولا بد أن ننهيه.

يقصد طبعًا البغبغانيون الجدد أن ثورة يوليو (أو الانقلاب بقى عشان تبقى كملت) وضعت الجيش وقيادات عسكرية على مقاعد حكم البلاد وأن مصر من ستين عامًا مخنوقة بهؤلاء. لكن السؤال الساذج الذى لا مفر من طرحه هنا: طيب وقبل الستين عامًا كيف كان حكم ونظام مصر؟

المذهل هو جهل هؤلاء العميق أو غشاوة وغباوة تكرار المحفوظات التافهة دون تأمُّل حقيقتها، فالثابت أن مصر قبل هؤلاء «العسكر» كانت محتلَّة يا عزيزى، وأن من حرَّرَها وأجلى الإنجليز عنها هم العسكر -تَخيَّل!- فالإنجليز لم يخرجوا مدحورين منسحبين من مصر نتيجة ثورة شعبية عارمة ولا ملايين انطلقوا فى الشوارع ولا شباب اقتحم معسكرات الإنجليز، ولا أحرقوا علم إنجلترا أمام دار المعتمد البريطانى التى كان ممنوعًا الوصول إليها بالمناسبة، ليس فقط التظاهر عندها. نعم، ناضل المصريون بمنتهى الوطنية والشجاعة والإخلاص والحماسة والعزيمة لتحرير بلدهم من الاستعمار -هل البغبغانيون يعترفون بوجود استعمار، أم لعله تلاقح حضارى من وجهة نظرهم؟- ولكن الشعب فشل على مدى أكثر من سبعين عامًا فى إجلاء الإنجليز وتحرير الوطن، ولم يتم هذا الجلاء والاستقلال والتحرير إلا على يد جمال عبد الناصر وعسكره.

هذه واحدة يتجاهلها أو يجهلها هؤلاء ويتحدثون عن ضباط يوليو كأنهم أتراك أو حاملو جنسية ثانية وليسوا أبناء الفلاحين والعمال والموظفين الذين أنقذوا بلادهم من الاستعمار ومن الملك.

آه، نأتى ثانيًا إلى الملك فاروق الذى كان يحكمنا قبل الستين عامًا اللى مضايقة قوى أصحابنا، ولا يمكن لأى بنى آدم كامل الحواسّ أو امتحنه الله بفقد نصف حواسِّه إلا أن يعرف ويدرك من قراءة تاريخ مصر (وبوثائق الأجانب) أنه كان ملكًا تافهًا وضعيفًا وعارًا على حكم مصر، فهل هذا الحاكم الذى للمفارقة هو حفيد العسكرى (عسكرى برضه) الألبانى محمد على هو من يجعلنا نتباكى على عصر ما قبل الستين عامًا (وكمان بالمرة فخامة الوالد الملك المعتوه فؤاد)؟

ثم ثالثًا عرفت مصر تزوير الانتخابات الحقير والفجّ، ليس أيام عبد الناصر، بل من أيام الملكية حين كانت النتائج تأتى بفوز أحزاب الأقلية المصنوعة فى قصر الملك حيث التزوير ضد حزب الوفد (أيام كان حزبًا) الذى لم يحكم وهو حزب الأغلبية إلا سبع سنوات متفرقة بعضها بائتلاف مع أحزاب الأقلية، أى خلال ثلاثين عامًا منذ إنشائه حتى قيام ثورة يوليو التى أعقبت -بالمناسبة- تشكيل أربع حكومات (برلمانية) فى أقل من شهر.

تسأل نفسك فعلًا عن هذا العبث التافه الذى يردِّده مُغرِضُون فيكرره مغفلون أو غافلون (بعض عازفى سيمفونيات العشق الملكى لما قبل يوليو كان يلحّ ويلهج للجيش حتى ينقذنا من الإخوان!).

بالقطع شهدت الستون عامًا (وهى بالمناسبة واحد وستون عامًا) أخطاء وخطايا وجرائم (هناك فروق جوهرية بين الرؤساء الثلاثة تجعلنا نقول ونحن مطمئنون إن نهاية حكم عبد الناصر هى نهاية حكم يوليو وإن السادات ومبارك لم يحكما بيوليو إطلاقا)، ومع ذلك فإن الاستبداد الذى شهدته مصر -على تفاوُته- كان تعبيرًا عن حكم مستبد ولم يكن تعبيرًا عن حكم عسكر (الذى يريد أن يعرف حكم العسكر يشوف ما جرى فى أمريكا اللاتينية حيث مذابح بالملايين واختفاءات وسجن بمئات الآلاف، وبالمناسبة ما رأيك فى حكم الاتحاد السوفييتى وسقوط ملايين القتلى على يد ستالين وخلفائه؟ هل كانوا عسكرًا؟ وحكم قطر والخليج، وهو استبدادى، هل لأنه لا سمح الله عسكر؟

العجيب فعلًا أن المرحلة الانتقالية التى نعيشها الآن تخلو من أى تحكُّم (لا أقول أى حُكْم بل أقول تحكُّم) من الجيش، واسألوا حازم الببلاوى: هل هناك من يحاسبك أو يسائلك أو يوجِّهك؟

لا أحد يريد أن يحكمنا مستبدّ، ولن يحكمنا مستبدّ سواء كان يرتدى زيًّا عسكريًّا أو حتى عمره ما دخل الجيش…

نضال الشعب الحقيقى يجب أن يكون ضد المستبد لا ضدّ زِىّ المستبد.

المصدر جريدة التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.