ابراهيم عبدالعزيز سعودي يكتب | الحماية الجنائية للحياة التجارية

 

الحماية الجنائية للحياة التجارية

تتعدد الآراء وتتكرر الأحاديث حول معوقات الاستثمار الاجنبى فى مصر ، فمن الاضطرابات الأمنية و البيروقراطية الإدارية إلى تعدد وتداخل الجهات الرقابية ، ومن عدم كفاية وتدريب الموظفين إلى غابة التشريعات والقوانين التى لا يستطيع المستثمر استيعابها أو التعامل معها ، كل ذلك وغيره مما قد يُثار كأسباب طارده للاستثمار الاجنبى .

غير أن جميع التحليلات تغفل سبباً رئيساً فاعلاً ، فيما أصاب الحياة التجارية الاقتصادية عامة واثر على مُناخ الاستثمار بصفة خاصة فى مصر والذى يتمثل فى غياب الحماية الجنائية للحياة التجارية والاقتصادية فى مصر فرغم أن مصر من أقدم الدول التى أولت اهتماما للتشريعات التجارية وأفردت منذ ما يزيد على مائة عام تشريعا خاصا للتجارة ، فضلا عن تضمين قانون العقوبات نصوصا عقابية تتعلق بجرائم تجارية مثل جرائم الشيكات وجرائم التفالس .

رغم ذلك فإن تلك التشريعات كانت ومازالت عاجزة عن توفير الحماية الجنائية للحياة التجارية ، إما لعدم كفايتها أو لانعدام تطبيقها أو لمساواتها إجرائياً بغيرها .

وعلى سبيل المثال فرغم الحماية الجنائية التى أحاط بها المشرع جريمة إصدار شيك بدون رصيد ، لخطورة الشيكات فى الحياة التجارية ، فقد تعطلت تلك الحماية بإجراءات متباطئة متراخية وقواعد إجرائية معيبة ساوت بين تلك الجريمة وغيرها ، وأصبح المدين المماطل أقوى من الدائن صاحب الحق ، فالدائن يحتاج إلى شهور طويلة حتى يحصل على حكم غيابى وشهور أخرى حتى ينفذ هذا الحكم الذى يفلت منه المدين بمجرد المعارضة فيه ، وهو الأمر الذى يجعل المستثمر عاجزاً عن تحصيل مستحقاته فى الأسواق التجارية وينعكس على أداءه للالتزامات المستحقة عليه لمصادر تمويله كالبنوك وغيرها من شركات التمويل العالمية وتتراكم عليه الفوائد فيضطر لتصفية النشاط هذا أن لم يتعرض للعقوبات الجنائية.

ويحدث هذا عندنا فى مصر فى الوقت الذى نجد فيه دولاً عربية عديدة قد سبقتنا فى هذا المجال ومنحت حماية واسعة للأوراق التجارية عامة والشيك خاصة حيث تحيطه بمعاملة جنائية خاصة وسريعة جداً فضلاً عن تدابير تجارية عديدة لعقاب التاجر الذى يمتنع عن سداد الشيك ومنع كافة التعاملات معه .

أما جرائم التفالس ، التى تفرض عقوبات على الذين يعجزون عن سداد ديونهم التجارية لتقصير منهم أو تدليس “غش” فإن نصوصها فى قانون العقوبات قد ران عليها النسيان وعلاها الصدأ ، ولا نكاد نسمع أن تاجرا قدم للمحاكمة بتلك الجريمة رغم أن الحياة التجارية فى مصر تضج بالعديد من أمثال هؤلاء التجار .

والغريب والمثير أن التعديلات التشريعية التى أدخلت على القوانين المختلفة فى السنوات الأخيرة بدلا من أن تضفى مزيدا من الحماية على الحياة التجارية ، فإنها على العكس من ذلك اتاحت الفرصة لغير الشرفاء من التجار لمزيد من المماطلة والتسويف فأضرت من حيث أرادت أن تفيد وعسرت من حيث أرادت أن تيسر .

فقانون التجارة المطبق حاليا رقم 17 لسنة 1999 ، وعلى الرغم أننا انتظرنا ميلاده طويلا جاء شائها  وجاءت النصوص المتعلقة بالشيك لتصيب الأسواق باضطراب عظيم ، وتضعف من هذه الحماية بدلا من أن تقويها بل وتكاد تعصف بها .

أما فيما يتعلق بالإفلاس فقد وضع المشرع قيدا إجرائيا دون مسوغ ، ووضع العراقيل فى مواجهة الدائن الذى يرغب فى المطالبة بدينه فلم يعد النفاذ إلى قضاء الإفلاس ميسرا إذ أثقله المشرع بعبء مالى يتمثل فى وجوب سداد مبلغ 1000جنيه قبل رفع الدعوى يجب أن يسددها الدائن ابتداءًا حتى يحق له قيد الدعوى التى سيطالب فيها بدينه “م554/3” ، وفي حين يجمع أهل القانون أن النص مشوب بعوار دستورى ، فإن الطريق مغلق أمام الطعن عليه بعدم الدستورية لأنه لا يسمح بقيد الدعوى إلا بعد سداد مبلغ ألف جنيه  ومن ثم لا يمكن الاتصال بالمحكمة للطعن بعدم الدستورية إلا بعد هذا السداد . 

كذلك يصبح من شروط الإفلاس أن يكون رأس المال المستثمر للتاجر المطلوب إشهار إفلاسه لا يقل عن عشرين ألف جنيه ، وألقى المشرع بعبء إثبات ذلك على الدائن ، ولنا أن نقدر صعوبة هذا الإثبات ، سيما أن اغلب التجار يتهربون من إثبات رأس مالهم الحقيقى فى السجل التجارى ويثبتون فيه مبالغ تقل عن ذلك كثيراً .

 وخلاصة الأمر أننا نحتاج إلى تدخل المشرع بتشريع متكامل للتجارة والاستثمار يراعى كل العلاقات والأوضاع ويوحد الأحكام التجارية وأحكام تأسيس الشركات وقواعد الاستثمار ويضفى حماية جنائية حقيقية على الحياة التجارية ويضع آليات لتنفيذ تلك الحماية ، فلن ينصلح حال الاستثمار إلا إذا عولجت الأسباب بصورة متكاملة .

( الوعي هو الحل )

للتواصل مع الكاتب عبر حسابه على فيس بوك

https://www.facebook.com/ibseoudi

وعبر صفحته الشخصية على فيس بوك

https://www.facebook.com/ibrahem.seoudi?ref=hl

و عبر حسابه على تويتر

https://twitter.com/

 

تعليق واحد

  1. احمديسرى عبدالمنعم

    بخصوص مقال سيادتكم استاذنا الفاضل الاستاذ ابراهيم سعودى – حول الحمايه الجنائيه للحياه التجاريه اقترح حول هروب معظم التجار من الكشف الحقيقى عن حقيقه راس المال فى السجل التجارى فلذلك نتمنى ان يوضع المشرع بعض المواد التى تلزم التجار بوضع قيمه راس المال المو صد ( الفعلى ) فى السجل التجارى وذلك حتى يمكن التقنين من دعاوى التفالس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.