ابراهيم عيسى يكتب | إنه ذات صباح

كانت تقف فى القفص وحدها بعيدة منزوية، شابة فى الثلاثين تقريبا، محجبة وممتلئة، تمسك بأصابعها سلك القفص الشائك، عيناها محمرّتان من دمع لهيب، رعشة تهز خدَّيها وأطراف أصابعها وبدنها المحموم، تركن بكتفها على الحائط، تتقلص فى حزن خالص، لا أحد معها فى قاعة المحكمة سوى المحامين، لا زوج ولا أولاد ولا أقارب ولا أهل.. لا أحد؛ وحيدة تماما، هل تخلَّوا عنها؟ هجروها؟ أو أبعدوها؟ أم هى التى أخفْت عنهم أن اليوم جلسة الحكم فاستيقظت مبكرة (هذا إذا كانت قد نامت) فودَّعت أطفالها بقبلات خاطفة، وأغلقت وراءها باب بيتها، تخشى أن لا تعود إليه اليوم وربما لعشر سنوات قادمة متَّهَمة باختلاس 33 ألف جنيه من عملها كمسؤولة دمغة فى اتحاد نقابىّ، (فى قاعة قريبة من قاعات المحكمة نفسها كانت قضية عبد الوهاب الحباك المتهم بالاستيلاء على 77 مليون جنيه!!).

يتوالى الشهود.. رجل فى السبعين موظف كبير فى الاتحاد نفسه؛ سأله القاضى أسئلة كثيرة وأجاب إجابات أقل. موظف آخر علامة الصلاة فى جبهته لا تخطئها عين، وغيره، الكل يدفع بالتهمة إلى صدر «إلهام». «إلهام» الموظفة التى كانت سكرتيرة على الآلة الكاتبة، وفجأة أمَرَها رئيسها بأن تصبح مسؤولة عن تسليم الدمغة وبيعها، وقَّعت على تسلم العهدة دون أى محضر جرْد، وكانت تسلم دون محضر جرد، تزوجت وأنجبت فأخذت إجازة وضْع 50 يوما، وأنجبت مرة أخرى فأخذت إجازة وضْع 50 يوما أخرى، غير الإجازات الاعتيادية. فى كل مرة تغيب كانت موظفة أو موظف آخر يأخذ الأموال الموجودة ولا يعرف حجمها، ولا أحد يريد أن يعرف ذلك (!!) المال سائب «سيبان» على الآخر، و«إلهام» موظفة كما هو موجود فى الكتاب، لا تسأل ولا تفكر ولا تناقش ولا تنظر إلى خطورة أى شىء، البيه الرئيس يعرف أكثر ويتصرف.. لا توجد مشكلات، حتى جاءت المشكلات.

الجهاز المركزى للمحاسبات.. فيه عجز 33 ألف جنيه.

مين يا جدع المسؤول؟ خلاص هاتو «إلهام».

وصارت «إلهام» هى المتهمة. كانت شهادة الشهود نَيِّئة وهشَّة ومرتبكة، تشعر أن هناك تدافعا لإلقاء المسؤولية وأن هناك مؤامرة واضحة كى تذهب «إلهام» إلى الجحيم كى يعرف الآخرون الذهاب إلى السينما.. والنوم (..).

ترافع محاميان عنها، كانا بارعين يفنِّدان ثغرات الشهود وعبث المال العام فى مصر، لا توجد أى خطوة مالية صحيحة، فوضى العبث بالمال العام التى تروح ضحيتها الآن يا سيادة الرئىس السيدة «إلهام».

السيدة «إلهام» بعد أن قال القاضى «الحكم بعد المداولة آخر الجلسة»، كانت قد تضعضعت تماما.. حصار الشهود، وقبضة القفص الحديدى، ووحشة الوحدة، وخلاء الدنيا ووجوه أطفالها البعيدة.. تبعد أكثر، وقفتُ أنا أمام القاضى، تأجَّلت قضية «الدستور» إلى موعد لاحق، لن أستطيع أن أمشى دون أن أعرف بمَ سيحكم القاضى على «إلهام».

بعد ساعة كانت القاعة شبه خالية، رحل المحامون (حتى محاميا «إلهام») والدكك الخشبية كلها فارغة إلا من وجوه قليلة عابسة، كنت فى الصف الأخير أرى «إلهام» وقد ألصقت وجهها فى القفص، رُوحًا رائحة تماما، مبدَّدة حتى النهاية. من المؤكد أن قلبها واقف، وأطرافها تفتِّت كبدها.. دخل القاضى يتلو أحكام كل القضايا.. حتى وصل إلى حكم «إلهام» فنطقها خاطفة هامسة: براءة.

آهٍ عميقة كأنها بركان يعلن عن نفسه صدرتْ من صدر «إلهام» ثم وقعت من طولها.. سقطتْ مغشيًّا عليها.. كنت أريد أن أذهب أرْبتُ على كتفها.. أجعلها ترى دمعى فى عينى.. لكننى رحلت دون أن أقول لإلهام مبروك يا أختى. وها أنا ذا أقولها الآن.

(المصدر : جريدة التحرير )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.