ابراهيم عيسى يكتب| عن التحرش.. بين ثورتين

عن التحرش.. بين ثورتين

ابراهيم-عيسى

 

– خرجت نساء مصر وبناتها للتظاهر لأول مرة فى التاريخ الحديث فى أثناء ثورة ١٩.

– وحصلْن على حق التصويت فى الانتخابات لأول مرة مع جمال عبد الناصر ودستور ٥٦.

– وحملْن مصر فوق أكتافهن منذ يناير ٢٠١١ وحتى الآن وحتى يقضى الله أمرًا كان مقضيًّا.

لكن الغريب أننا لا نتعلم من تاريخنا، بل إننا -وهذا هو الأسوأ- نجهله، فالمؤكد أن المجتمع لم يستطع عقب ثورة ١٩ أن يستثمر دور النساء العظيم فى هذه الثورة، وأن يجعل منهن شريكًا حقيقيًّا فى صناعة مستقبل البلد، رغم أن امرأة «١٩» كانت تواجه الاحتلال الإنجليزى، فضلًا عن الفكر المتخلف ضد المرأة، إضافة إلى خلوِّ تاريخها القريب وقتها من سوابق لهذا النضال.

اقرأ معى مذكرات شيخ الصحفيين حافظ محمود، فى كتابه «المعارك فى السياسة والصحافة» حيث يقول عن مشاركة النساء فى ثورة ١٩:

«كانت المظاهرة الأولى بقيادة هدى -هانم- شعراوى، وقد أزعجت هذه المظاهرات سلطات الأمن، فاعترض طريقها الحاكمدار الإنجليزى بقواته، ولما رأى إصرار السيدات على متابعة السير فى مظاهراتهن قال لسيدات الصف الأول فى المظاهرة: إننى أرجو أن لا تضطرُّنِّى إلى استخدام السلاح.. فتقدمت منه السيدة هدى شعراوى وأشاحت عن وجهها ما بقى من نقابها قائلة: أنا حرم شعراوى باشا، فإذا أردتَ أن تطلق النار فإنه يشرفنى أن أكون أول شهيدة.

وخجل الحاكمدار، وأفسح الطريق للمظاهرة كى تسير.. لكن هذه الحرارة كلها قد تبخرت بعد قليل فى النشاط الاجتماعى بعد أن تبين أن المجتمع السياسى فى العشرينيات لم يتسع لنشاط المرأة فى ما هو أكثر من المظاهرات.. وهكذا نستطيع أن نقول إن المرأة المصرية هى التى صنعت أول أثر من الآثار الاجتماعية لثورة الشعب فى سنة 1919».

الغريب هنا أيضا هو أن المرأة المصرية فى مظاهرات ١٩ كانت تعانى من نفس ما تعانى منه فى مظاهرات ما بعد يناير، «التحرش».

تخيلوا كان هناك تحرش، رغم المجتمع وقتَها، المحافِظ والمتحفِّظ، حيث يقدم لنا البعض هذا المجتمع مثاليًّا طاهرًا، ولكنه ليس كذلك، لأنه لا يوجد مجتمع كذلك.

حتى مجتمع المدينة المنورة كان فيه متحرشون، بل إن التحرش كان سبب نزول آيات الحجاب فى القرآن.

نعود إلى حافظ محمود شيخ الصحفيين، وهو يحكى كشاهد عيان عن عمله مرشدًا ضد المتحرشين:

«كان إخوتنا الكبار قد لاحظوا أن بعض أشباه الطلبة الكبار يندسون فى المظاهرات السلمية أحيانًا بقصد مغازلة الطالبات اللواتى بدأن يشتركن فى المظاهرات والحركات العامة، فكوَّنوا من بينهم شرطة أهلية لحماية الآداب، وعينونا -نحن الصغار- كفرقة إرشاد من أولئك المندسين.

وكانت شرطة الآداب الأهلية تقبض على المنحرفين أىَّ نوع من أنواع الانحراف وتحاكمهم وتوقع عليهم الجزاءات».

إلى هذا الحد يكرر المجتمع نفسه، لأنه لا يعرف أن التاريخ يكرر نفسه.

 

 

 

المصدر: التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.