احمد الدريني يكتب | الجيش المصري..«المسلم» و«الإسلامي» وما بينهما!

قطعنا نحو 900 متر سيرًا على الأقدام من بوابة وحدة «الهايكستب» العسكرية، حتى وصلنا إلى ساحة إجراءات التجنيد، تملؤنا الرهبة آنذاك ويتلاعب بنا القلق (قبل 7 سنوات).. كنا بضعة زملاء في دفعة واحدة بالكلية.. ذهبنا لاستكشاف مصيرنا التجنيدي فور تخرجنا.

وبعد أن نظّم عساكر الهايكستب عشرات الآلاف من خريجي الجامعات وأجلسوهم في مدرج كبير قبيل إعلان موقفهم التجنيدي، كانت مكبرات الصوت تبث مجموعة من الأغاني الوطنية (كلها تَمُتُّ للحقبة الناصرية)، وبعضها مما لم نكن سمعناه من قبل كان يتحدث عن «ثورة اشتراكية»!

كنت أتبادل وزميلي الأقرب مجموعة من التساؤلات الوجودية: هل يحاولون إيصال رسالة ما لنا بهذه الأغاني الناصرية القُحة؟ هل هو جناح داخل الجيش يسعى لفرض أو التلويح أو تمرير ملمح ما؟ هل هم «مغيبون» لا يدرون ولا يفهمون طبيعة ما يبثون من أغانٍ؟ هل هذه الأغاني عهدة في كل وحدة منذ العهد الناصري ومازال تشغيلها أقرب لعملية فلكلورية؟

ووسط تساؤلاتنا جاء لواء ما، عرفنا أنه مسؤول التجنيد والتعبئة على مستوى البلاد، ليعقد مع عشرات الآلاف من خريجي الجامعات لقاء مفتوحًا (ظهر هذا اللواء فيما بعد عضوًا بالمجلس العسكري أثناء ثورة يناير) وأخذ يتحدث معنا عن التجنيد وإجراءاته وفلسفته وعن الحرب وإمكاناتها.. ثم سألنا: «لو حاربنا إسرائيل هنحاربها بمين.. بيكم ولا هنستورد جنود من تايلاند؟ بخير أجناد الأرض ولا بمين؟» وضج عشرات الآلاف بالهتاف والصراخ «إحنا.. إحنا».. وفاقت المشاعر الوطنية حرارة قيظ هذه الوحدة العسكرية في حر يوليو وأغسطس.

وبعد نحو ساعة ونصف الساعة تقريبًا، انصرفنا وقد فجعنا لأننا لن نؤدي الخدمة العسكرية (!)، وأنه تم إرجاؤنا (أنا وأصحابي).. بينما تنهشنا مشاعر الحسرة أننا لن نحارب إسرائيل، ثم ذهبنا لمنازلنا ووقعنا من الإنهاك.. واستيقظنا مساءً للاحتفال باستقبال الحياة بعد التخرج.. وكل منا يبحث عن مستقبله المهني!

انطوى هذا اليوم، وكل ما بقي منه في ذاكرتي آية قرآنية كانت معلقة على يافطة خشبية كبيرة فوق رأس السيد اللواء أركان حرب: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ).. ولم أفهم حينها لمن تتوجه هذه الآية تحديدًا؟ خاصة أن معسكر الهايكستب كان به عشرات اليافطات التي تحمل آيات قرآنية مختلفة، وحين شاركت صديقًا هذا التساؤل قال لي: المقصود بالآية إسرائيل.. والإيماء إلى صورية عملية السلام.. لم أقتنع تمامًا ولم أرفض تمامًا.

لا يمكن الجزم بإخضاع هذا الجيش لتصنيف عقائدي أو أيديولوجي بعينه، فوفقًا للمتاح عنه،لا تتوافر على الملأ شواهد تصنيفه بصورة واضحة وصارمة وتبويب انتماءات أفراده في أجنحة وفرق ومعتقدات، خلافًا لـ«الوطنية المصرية» وتوابعها من نزعات قومية عروبية، وخلفيات إسلامية معتدلة، أقرب للخطاب الأزهري التقليدي.

على أنه من ناحية أخرى، كانت أطراف النقاش الذي نتبادله أحيانًا مع ضباط جيش في مناسبات اجتماعية مختلفة، تجعلهم أقرب – في نظري-  لتيار سلفي قدري متعايش مع سلوك «الحاكم» بوصفه «قضاء الله» وأنه «كيفما تكونوا يول عليكم»، فضلًا عن ميوله الاجتماعية المحافظة عمومًا، لكن من المؤكد أن مياهًا كثيرة جرت في النهر منذ يناير 2011 وإلى الآن.

فبالتوازي مع إسقاط الإخوان ومناصريهم من أتباع التيارات الإسلامية، عمد قطاع من الجمهور العام من «محبي» الجيش إلى الإمعان في نشر صور جماعية لضباط القوات المسلحة أثناء الصلاة داخل الوحدات العسكرية، مع تبادل صور للفريق عبد الفتاح السيسي نفسه أثناء أدائه الصلاة مأمومًا بأحد الضباط.

وهو ما بدا نشرًا وقائيًا ضد القوى الإسلامية التي ستشكك أول ما تشكك –كعادتها- في «دين» خصومها، ثم جرى جدل واسع حول تسجيلات بثتها هيئة الشؤون المعنوية التي أظهرت المفتي السابق د.علي جمعة، ووكيل وزارة الأوقاف د.سالم عبد الجليل، والداعية د.عمرو خالد، أثناء تأدية فواصل «اغتيال فقهي» للتيارات الإسلامية والإخوان.

وهي واقعة استدعى فيها الجيش مخزونه الديني في معركة متوحشة مع طرف بدا أن خياره الحاسم هو استخدام العنف، بعدما استنفد بهلوانياته الدينية التي انتهت بتضعيف حديث «خير أجناد الأرض» ثم لم يجد بعد ذلك سبيلًا.

الأمر نفسه بدا جليًا في خطابات السيسي المختلفة «إحنا بنخاف ربنا يا ابني» مع كثرة تكراره لكلمة «ربنا» والتأكيد على البُعد «السماوي» في عملية اتخاذه للقرار.. ثم حتى عبر إطرائه العابر على شخص الشيخ السلفي المرموق «أبو إسحاق الحويني».

والشاهد أن الجيش هنا لا يتورع عن التلويح ببُعد ديني ما (حتى وإن كان معتدلًا شبيهًا بالمعتقد المصري العام)، في إطار أدوات المعركة الحالية (والتي تدور رحاها في القلوب والعقول، قبل ميادين الاشتباك). فالقوات المسلحة لن تترك مساحة للمجادلة والسجال مع جماعات العنف المسلح دون حسم المعركة قيميًا أولًا، ضد جماعات تصف ما تلى 3 يوليو بأنه «عمليات ذبح للمسلمين العُزّل في مصر!».

والحاصل أن الجيش اليوم إذ يواجه الجماعات المسلحة، فإن العقيدة القتالية لكل الأطراف قد تغيرت، فالجماعات الإرهابية العابرة للحدود تريد تحويل مصر لأرض مخصصة لـ«السياحة الجهادية!»، راغبة في نقل الحالة العراقية والسورية إلى مصر، في مسلسل «جهاد» سيزيفي إقليمي، لم يعودوا هم أنفسهم يدركون ضد من يجاهدون فيه!

فقبل سنوات قليلة، كان الإرهابيون التفجيريون في العراق يتساءلون في منتدياتهم على الإنترنت عن مصير عامل نظافة بسيط لقي حتفه في تفجير من تفجيراتهم، فانتهى بهم الحال إلى التأكيد على جواز قتله مع التبشير بأن «سلائبه» حق للأخ الجهادي.. بما يعني أنهم يستحلون أن يلتقطوا جردله وممسحته ومكنسته بعد قتله بوصفها «غنائم حرب»! وهذه هي النماذج التي يمكن أن نستشف أنها هي التي كتبت بيان جماعة «أنصار بيت المقدس» التي أعلنت مسؤوليتها عن محاولة اغتيال وزير الداخلية.

وإذ استبشر الإخوان خيرًا في رابعة بخبر اقتراب بارجة أمريكية من الحدود المصرية وهللوا وكبروا، وإذ يؤيد الإخوان التدخل الأمريكي في سوريا، فإنهم يوطئون ويشرعنون لمثل هذا التدخل المرتجى من جانبهم في مصر، على أن تكون الفقرة الافتتاحية عمليات إرهابية موسعة، يمكن فهمها وفقًا لدعوة القرضاوي لـ«أحرار العالم بالجهاد في مصر»، ثم يتلوها تدخل دولي يباركه «الفقه الموزي» للعلامة القرضاوي.

الحاصل أن المعركة هذه المرة، ليست مع دولة مبارك التي انتحلت خطابًا علمانيًا حملت الشرطة فيه السلاح لسانًا لها.. بل مع جيش مفوض –شعبيًا- بالسحق، ولا تبدو أن شبهة دينية تحيق سلوكه، بمقدار ما يبدو هو (وما استطاع أن يتموقع فيه) بأنه القوة المسلحة للإسلام الوسطي المحافظ على السلم الاجتماعي الداخلي والحامي لمواطني «الدولة» من غير المسلمين!

ثم هو (كما حكى لنا والعهدة في الهايكستب على اللواء الذي روى) يتجهز آجلًا أم عاجلًا لحرب في صراع طويل من الطراز الذي لا تحسمه السنون بمقدار ما تفصل فيه العقود.. ولن يكون جنوده حينها من تايلاند.. بل مجموعة من شباب مصر يعتقدون –فعلا- أنهم خير أجناد الأرض، بغض النظر عن رأي القرضاوي والحويني ومن والاهما في صحة نسب الحديث الشريف من عدمه.

المصدر: المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.