المستشار عادل ماجد نائب رئيس محكمة النقض: مسار العدالة الانتقالية متعثر

المستشار عادل ماجد نائب رئيس محكمة النقض: مسار العدالة الانتقالية متعثر

عادل ماجد نائب رئيس محكمة النقض

أكد المستشار عادل ماجد، نائب رئيس محكمة النقض، أن مشروع قانون العدالة الانتقالية، الذى أعده بالتعاون مع نادى القضاة، تم إرساله لرئاسة الجمهورية، موضحا أن المادة 241 من الدستور الجديد كشفت عن رغبة حقيقية للمشرع الدستورى، فى تطبيق آليات العدالة الانتقالية بجميع جوانبها.

وقال ماجد لـ«المصرى اليوم» إن العدالة الانتقالية مفهوم مرن يسمح باختيار آليات المحاسبة وفقاً لطبيعة المرحلة الانتقالية، وأنه لن يكون هناك عدالة إلا بالمحاسبة والقصاص، مشددا على أنه لا مصالحة مع القتلة والإرهابيين، وإلى نص الحوار:

■ ما هى محاور مشروع قانون العدالة الانتقالية؟

– مشروع القانون يعتمد على اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات القضائية وغير القضائية، للتصدى وكشف وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من صور إساءة استغلال السلطة، خلال وبعد ثورتى 25 يناير و30 يونيو، وتهدف هذه الإجراءات إلى القصاص العادل للضحايا، وحصر الأضرار التى لحقت بهم وبذويهم وإصلاح مؤسسات الدولة، وإرساء الثقة بين أطياف المجتمع، وتحقيق التعايش السلمى بين أطيافه بهدف تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، والانتقال بالمجتمع إلى مرحلة الديمقراطية.

■ هل هناك عناصر جديدة فى مشروع القانون تختلف عن الأطروحات التى قدمها البعض على الساحة؟

– الجديد فى مشروع القانون، المادة (13) التى تضمن المفوضية من خلالها نظاما آمناً لحماية الشهود والمبلغين والضحايا، والامتناع عن الإفصاح عن هويتهم إذا لزم الأمر، وذلك وفقاً للطرق التى تراها مناسبة لمصلحة التحقيقات وحماية سلامتهم، وأيضا المادة (42) حيث يُعد الرئيس أو الشخص الذى يشغل مناصب قيادية مدنية فاعلاً أصلياً ومسؤولاً مباشرا عن الجرائم الجسيمة ضد المتظاهرين السلميين وغيرهم من المدنيين العُزل، والمرتكبة من جانب أشخاص يخضعون لسلطته وسيطرته الفعلية، نتيجة لعدم ممارسة سيطرته على هؤلاء الأشخاص بطريقة مناسبة.

■ هل ما جاء بالدستور عن العدالة الانتقالية كافيا لتحقيقها؟

– المادة 241 من الدستور الجديد تعتبر خطوة مهمة وانتصارا كبيرا لمبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون، لأنها كشفت عن رغبة حقيقية للمشرع الدستورى فى تطبيق آليات العدالة الانتقالية بكافة جوانبها، بما يؤكد عزم الدولة على المضى قدما نحو طريق الإصلاح وعلاج انتهاكات الماضى.

■ إلى أين وصل مشروع القانون؟

-هناك ترحيب من الجهات المسؤولة بالدولة بمشروع القانون، حيث تم إرسال مشروع القانون وما تم بشأنه من تعديلات إلى رئاسة الجمهورية والجهات المعنية، وأولى المستشار السياسى لرئيس الجمهورية اهتماما خاصا به ووعد بمتابعته، وتم ترك أمر إصدار القانون لمجلس النواب المقبل.

■ ما هو المدى الزمنى لتطبيق العدالة الانتقالية بأثر رجعى؟

– لا يمكن مواجهة انتهاكات الماضى بدون تقصى جذور تلك الانتهاكات، وبيان أسبابها والمسؤولين عنها خلال تلك الفترة، وبالتالى فإن قوانين العدالة الانتقالية تطبق على الفترات السابقة، التى وقعت فيها صراعات أو ثورات، ففى تونس مثلا تم تطبيق نصوص القانون بأثر رجعى على بعض الجرائم المرتكبة منذ سنة 1955 خلافاً للقواعد العامة، وهو ما يعد إجراء استثنائياً.

■ هل يعد ذلك استثناء على القواعد العامة؟

– لم نحاول فى مشروع القانون تبنى أى إجراءات استثنائية، بل اعتمدنا على منظومة العدالة الجنائية الحالية، وإن كانت تحتاج إلى بعض التعديلات، وجوهر مفهوم العدالة الانتقالية هو محاولة إيجاد معالجات لانتهاكات حقوق الإنسان التى قد لا تتمكن من تحقيقها منظومة العدالة الجنائية الحالية، وأكبر مثال على ذلك قضايا قتل المتظاهرين السلميين والتى صدرت فيها أحكام بالبراءة، وهو ما يمنع الضحايا أو ذويهم من المطالبة بتعويض طبقا لأحكام القوانين الجنائية القائمة، فتتدخل منظومة العدالة الانتقالية لتعويضهم.

■ ما رأيك فى تصريح وزير العدالة الانتقالية بأن الوقت غير مناسب لتطبيق القانون؟

– فكرة العدالة الانتقالية نشأت خصيصاً لمواجهة حالات العنف المؤدية إلى عدم الاستقرار، على النحو الذى يعصف بالوطن حالياً، لذلك أكدت فى العديد من المؤتمرات والندوات بعد 25 يناير، أن عدم معالجة ما حدث من انتهاكات وتجاوزات فى حق الأفراد والوطن بطريقة جذرية، يمكن أن يؤدى إلى انقسامات حادة فى بنيان المجتمع، ويولد مناخاً عاماً من عدم الثقة بين أطيافه ومكوناته، فتضعف سيادة القانون وتتاح الفرصة لتكرار العنف بدلاً من الوصول إلى المصالحة.

■ هل صدور قرار بتحديد مهام وزارة العدالة الانتقالية يعتبر بديلا عن إنشاء مفوضية العدالة الانتقالية؟

– لا، رغم عدم نص المادة 241 عليها، فعدم تضمين نص المادة إنشاء المفوضية لا يمنع إنشاءها عن طريق التشريع الوطنى، وهو هنا قانون العدالة الانتقالية الذى أشارت إليه المادة.

■ تضمن القرار تحديد آليات المصالحة، ولم يتطرق إلى آلية المحاسبة والقصاص، فهل يعنى ذلك عدم وجود نية للمحاسبة؟

– إطلاقا، فلن تكون هناك عدالة إلا بالمحاسبة والقصاص، وقد يرجع ذلك إلى أن المحاسبة والقصاص هى من الاختصاصات الأصيلة للقضاء، والتى لا يمكن لأى سلطة أخرى أن تباشرها، ولا ننسى أن وزارة العدالة الانتقالية هى جزء من السلطة التنفيذية، والمهام المسندة إليها هى تمهيد الطريق لتطبيق آليات العدالة الانتقالية، لحين إقرار مجلس النواب المقبل القانون المزمع إصداره.

■ كيف ترى مطالبة البعض بتطبيق تجربتى المغرب أو جنوب أفريقيا فى مجال العدالة الانتقالية؟

-تجربتا المغرب وجنوب أفريقيا تعتمدان على فكرة العدالة التصالحية، ويمكن اللجوء إليهما بخصوص من لم يرتكبوا جرائم جسيمة، لكن بالنسبة للوضع الراهن فى مصر وتطور الأمر لاستخدام العنف والإرهاب فلم يعد هناك مجال لتطبيق هذين النموذجين، ويجب دراسة نماذج أخرى خاصة تلك التى تعتمد على فكرة عدالة المحاسبة والقصاص، كما حدث فى الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.

■ هل ترى أن هناك إرادة سياسية حقيقية وجادة لتطبيق منظومة العدالة الانتقالية؟

– لم تعد العدالة الانتقالية مرهونة بالإرادة السياسية، بعد أن نص الدستور الجديد فى مادته رقم 241 على إلزام برلمان مصر المقبل بإصدار قانون العدالة الانتقالية، ومن ثم تطبيق آلياتها لتكون جميع مؤسسات الدولة بما فيها السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية ملزمة بتطبيقها، وعلى الدولة البدء فى إعداد المبادرات والبرامج لتوعية الجمهور بمفهوم وآليات العدالة الانتقالية وفوائد تطبيقها، وإعداد الكوادر الوطنية من جميع مؤسسات الدولة حتى تكون قادرة على تطبيق تلك الآليات بطريقة ناجزة فور إصدار هذا القانون، وبذلك تكون هناك إرادة حقيقية فى تطبيق العدالة الانتقالية، والفائدة المحددة من العدالة الانتقالية أنها تداوى جروح الماضى وتنصف المظلومين وتعالج أسباب العنف وتمنع تكرار الانتهاكات.

■ كيف يمكن معاونة البرلمان ودعمه فى هذه المهمة؟

-دعمه يكون من خلال تنظيم عدة موائد مستديرة وورش عمل لمناقشة مشروعات القوانين المتعلقة بالعدالة الانتقالية، والمطروحة على الساحة حاليا، وليس هناك ما يمنع استضافة بعض الخبراء الدوليين المشهود لهم بالموضوعية والكفاءة، للاستفادة من خبراتهم وتقديم المساعدة للبرلمان الجديد فى تطوير مشروع قانون مصرى ووطنى للعدالة الانتقالية يتفق مع المعايير الدولية فى هذا الشأن.

■ كيف ترى مسار العدالة الانتقالية فى مصر حاليا؟

– المسار متعثر بسبب عدم الإدراك والفهم العميق لمفهوم العدالة الانتقالية، واستغلاله لتحقيق مآرب سياسية، والتعامل مع المفهوم بسطحية دون الاعتماد على دراسات تشارك فيها المعاهد والمراكز البحثية المتخصصة، فضلا عن عدم وجود استراتيجية وطنية شاملة لتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية.

■ هل العدالة الانتقالية تتطلب محاكمات استثنائية ثورية؟

العدالة الانتقالية مفهوم مرن يسمح باختيار آليات المحاسبة وفقاً لطبيعة المرحلة الانتقالية التى يمر بها البلد المعنى، وعلى الإرادة السياسية لدى صانع القرار وعما إذا كان من النخبة أم من الثوار أم من الحكومة الجديدة أم من القيادات العسكرية، وكذلك على طبيعة الجرائم المرتكبة، وهناك أنظمة اعتمدت على المحاكمات الثورية ودول أخرى على المحاكمات الاستثنائية، بينما عولت دول على المحاكمات ذات الطبيعة الدولية أو المختلطة، والوضع الحالى فى مصر لا يسمح باتباع أى من الصور المتقدمة، بل من الأفضل الاعتماد على القضاء العادى.

■ هل تصطدم العدالة الانتقالية بمحاولات المصالحة السياسية؟
– يجب أن يتم تحديد ما هو المقصود بمصطلح المصالحة السياسية، وأننا نفرق فى هذا الصدد بين الاتفاقات السياسية التى تتم بين التيارات السياسية المتصارعة وبين المصالحة المجتمعية القائمة على أسس حقوقية، والتى تسعى إليها العدالة الانتقالية، لذلك فإن هناك دولا أخرى مثل الجزائر لجأت إلى استخدام تعابير أكثر دقة من المصالحة السياسية مثل «الوئام المدنى»، لكى تشير إلى الآليات التى يمكن من خلالها للأطراف المتصارعة الجلوس إلى مائدة الحوار والتفاوض، أو إلى حزمة الإجراءات التى يمكن من خلالها للسلطة القائمة التعامل مع رموز وأنصار النظم البائدة، بهدف التوصل إلى اتفاقات سياسية يتم بمقتضاها وقف العنف، وتطبيقاً على الوضع فى مصر، فإذا كان هذا النوع من المصالحة يرمى إلى إعفاء من هم منسوب إليهم ارتكاب الجسيم من الجرائم، فإنه يصطدم مع مفهوم العدالة الانتقالية، لأن معايير الأمم المتحدة السارية تحظر تطبيق سياسات الإفلات من العقاب، فلا مصالحة مع القتلة والإرهابيين.

المصدر- المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.