المنشق الذي غيّر وجه المسرح البريطاني

جون أوزبورن: المنشق الذي غيّر وجه المسرح البريطاني
كتب: مايكل بيلينجتُن
ترجمة: محمد عبد النبي
نشر في مجلة إبداع (باب الضفة الأخرى) عدد فبراير 2015

11390062_10153253942521281_7243742587410567981_nواحدة من أشهر نوادر جون أوزبورن تخصّ لقائه بكينيث تاينان، والذي كان قد تقلّد منصب المدير الأدبي للمسرح القومي [البريطاني] لتوه. قال له تاينان: “تعال وانضم إلينا في القومي لنصنع التاريخ”، جاءه ردّ أوزبورن سريعاً وحاداً: “لقد صنعتُه وخلاص.”، وأدار له ظهره.
إنه لصحيح تماماً، أن أوزبورن، المتوفى في ديسمبر 1994 عن 65 عاماَ، لو لم يكن قد كتب سوى (انظر خلفك بغضب) لضمن موضعه في كتب التاريخ: فعند عرضها الأول على مسرح الرويال كورت في مايو 1956 وضعت فرقة المسرح الإنجليزي على الخريطة، ليس هذا وحسب بل أيضاً برهنت لجيلٍ من الكتّاب أنه من الممكن وضع بريطانيا المعاصرة على خشبة المسرح. ولكن كان هناك المزيد بشأن أوبزورن، أكثر من هذه المسرحية المنفردة ذائعة الصيت. (انظر خلفك بغضب)، لًقّب على الفور بالشاب الغاضب – اللقب الذي صاغه المدير الصحفي لمسرح الرويال كورت – وتم اعتباره منذ ذلك كاشتراكي قاذف للحمم انتهى به الأمر إلى التحوّل نحو معسكر اليمين.
والحق أن أوزبورن كان خارجاً على الجماعة بالفطرة، وداعياً ضارياً للفرادنية، موهوباً في الذم الجارح، دون اهتمام يُذكر بالأحزاب السياسية والحقائق التلقينية المستهلكة. وقد رأيتُه على الدوام أقرب إلى الشخصية البايرونية [نسبةً للورد بايرون]، ينظر للعالم العابر بازدراء متهكم. وعلى كلٍ، فقد كان مستقلاً عنيداً، استطاع عبر ملكته البلاغية أن يعيد تجديد الدراما البريطانية خلال سنوات خمسينات وستينات القرن العشرين، وقد أصدر في نهاية الأمر كتابين مدهشين في السيرة الذاتية التي تتسم بجلد الذات.
ومثل جميع الكتّاب، تفسر نشأته مواقفه التالية. فقد وُلد في فولهام عام 1929، ابناً لكاتب إعلانات في وكالة دعاية ونادلة حانة. وفي كتابه (A Better Class of Person)، يصف لم شمل العائلتين بمناسبة الكريسماس كالتالي: “الشيء الذي كان أفراد العائلتين يشتركان فيه منذ الميلاد هو الريبة. ليست ريبة فخورة للروح ولكنها كآبة مترددة أو نفور من الابتهاج، من بذل الجهد أو الجسارة.” إنها مرارة هذا العالم للشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، المرارة التي سعى أوزبورن للفرار منها، لكنها ظلت منسوبة إليه دائماً ولو جزئياً.
من البداية، كان على الدوام ثائراً، فحين ضرب أحد الأساتذة في المدرسة الصبي أوزبورن ذا السادسة عشرة رد عليه بالمثل – وهو التصرف الذي طُرد بسببه من المدرسة ومهّد لوَسْم التمرد عليه.
بعد فترة من عملٍ عشوائي بالصحافة لصالح صحفٍ تجارية – مثل جاز وورلد – دخل عالم المسرح في عام 1948 كمساعد مدير خشبة مسرح في رحلة عروض لمدة 48 أسبوعاً لإحدى الفرق المسرحية، وتبعتها فترة أطول ومزدهرة كممثل احتياطي. لعلّه لم يكن ممثلاً متألقاً، لكنه تعلّم أصول الحرفة، وتعاون في كتابة قليل من المسرحيات، وتزوّج أولى زوجاته، باميلا لين. وفي رسالة كاشفة عن تلك الفترة، كتب لي ذات مرة أنه انضم إلى زوجته في الانتقال إلى ديربي، حيث كانت تمثّل شخصية هيستر كولاير – امرأة شبه مهدّمة بسبب الحرمان من الشغف المتبادل لدى عشّاقها – في مسرحية راتيجان (البحر الأزرق العميق). قال أوزبورن: “وكان الدور الخيالي المرسوم لي في الحياة هو فريدي بيج (الذي تحبه البطلة). ولكنني في الحقيقة كنت هيستر نفسها.”
وهي ملاحظة كاشفة لأنها تظهر ما أضمره أوزبورن من عاطفة لكتّاب الجيل الأكبر سناً – وراتيجان على الخصوص – ممن سيشغل هو موقعهم. ولكنها أيضاً تفضي بالكثير عن الشخصية المسرحية الأشهر لأوزبورن، وهو جيمي بورتر في (انظر خلفك بغضب). فعلى نحوٍ ما، كان جيمي، هو المعادل المذكّر لهيستر: تمثّلت سقطته التراجيدية في سعيه لأن يجد لدى الآخرين الحماس الشغوف بما يقابل ما بداخله. عندما أعاد توني ريتشاردسُن إنتاج العمل، وقام كينيث هاي بتجسيد الشخصية بصورة عصية على النسيان، صارت أيضاً رمزاً للشباب الحديث الغاضب والمغترب، الثائر على النظام الطبقي الإنجليزي وتحجّر المؤسسات بكاملها. غير أن غضبة جيمي وبلاغته كانت أيضاً جزءاً من السعي لما أسماه بنفسه: “فتوّة ملتهبة للعقل والروح تتطلع إلى شيءٍ في مثل عنفوانها.”
وسواءً نظرت إلى هذه المسرحية بوصفها وثيقة اجتماعية أو دراسة لتعذيب الذات على طريقة الكاتب السويدي ستريندبرج، فهي تبقى عملاً عظيماً. كما أنها حوّلت أوزبورن إلى أحد المشاهير بين ليلة وضحاها. فأجريت لقاءات صحافية بلا نهاية مع الكاتب المسرحي ذي الستة وعشرين عاماً، وأخذ كتّاب أعمدة النميمة يقرضون سيرته – وصفه أحدهم طاعناً، بأنه هو “النسخة الأصلية من الشاب الجانح”.
تبدّلت حياة أوزبورن بالشهرة والنجاح. تزوج ماري أور [ممثلة المسرح والسينما من أصول اسكتلندية]، واشترى منازل في شلسيا وريف كِنت، وجنى بعض المال. ولكن في صميمه، بقى كما هو المنشق الفطري، وسرعان ما أدرك أنه لم يستطع كسب القلوب، لا في شارع فليت [الصحافة] أو في داخل الوسط المسرحي. في عام 1959 كتبَ مسرحية موسيقية عن كتّاب أعمدة النميمة، (عالم بول سليكي)، تسببت في مراجعات صحافية لاذعة، وفي مطاردة جماعات من روّاد المسرح الغاضبين لأوزبورن نفسه، بعد ليلة العرض الأولى، على طول طريق تشارينج كروس. ويوحي وصف أوزبورن لذلك الموقف في كتابه (جنتلمان تقريباً) بأنه انتشى لكونه مكروهاً إلى هذا الحد.
وخلال كثيرٍ من المحن الشخصية التي حلّت نزلت به في عقد الستينات – حيث تزوّج وانفصل لأكثر من مرة – واصل كتابة المسرحيات، إلى جانب سيناريو فيلم توم جونز (1963)، الذي حقق نجاحاً مدوياً وأرباحاً هائلة. لكن عمله كان لا يزال يتسم بخيبة ونقمة لا تهدآن. في 1961، كتب مسرحية تاريخية بأسلوب بريختي عن مؤسس المذهب البروتستاني، لوثر، ولكن مرة أخرى بدا بطله وكأنه انعكاس لأوزبورن نفسه. وقد كتب تاينان في ذلك الحين ملاحظة لاذعة، قائلاً: “كان لوثر في عالم المسيحية شأنه شأن السيد أوزبورن في العالم المصغّر لدنيا المسرح، ملوّثاً للمقدسات، عنيداً، من أصول متواضعة، ناقماً على السلطة ورافضاً أي تسويات.”
غير أن أضخم مسرحية لأوزبورن في تلك الفترة، هي A Patriot for Me، بورتريه لي، والتي وقعت في عام 1965 تحت رحمة السلطة المستبدة لرقابة اللورد تشالمبرلين. وكانت ملحمة مقلقة عن آلفريد ريدل، وهو جاسوس مثلي الجنس في الجيش المجري- النمساوي. سمحت لأوزبورن أن يرسم على قماشة عريضة، وأن يواصل بحثه في غموض الميول الجنسية – المسألة التي فتنته على الدوام – وأن يكتب أحد أروع المشاهد المسرحية حيث يرقص مجموعة أشخاص غير واضحي المعالم، مرتدين تنورات، على موسيقى لموتسارت، يتضح عند التدقيق أنهم رجال. وقد كان على هذه المسرحية التي تعد من أغني أعماله أن تنتظر رونالد إير إنتاجها في عام 1983، مع آلان بيتس، لتحرز النجاح الجدير بها.
شهد حظ أوزبورن بعض التقلبات، بعد الذروة الشاهقة لمسرحية بورتريه لي، فكانت مسرحية فندق في أمستردام – التي كتبت في 1968 ونادراً ما أعيد عرضها منذ ذلك الحين – أقرب إلى قصيدة منغّمة عن مجموعة من ستة أصدقاء، جميع هاربين من تأثير منتج أفلام مستبد. ثم مسرحية شرق السويس، عام 1971، التي اعتبرها الكثيرون نقطة تحوّل أوزبورن إلى معسكر اليمين، حيث تقع أحداثها في مستعمرة بريطانية سابقة، وقد قرئت على نطاق واسع كترنيمة للامبراطوريات المفقودة: وهي إحدى أولى المسرحيات التي تناولتها نقدياً، وكتبت عنها في ذلك الحين أنها في الحقيقة تدور عن “انهيار أي حضارة لم تعد تثق في العقل، وفي احترام قيم الآخرين، وفوق ذلك كله، لم تعد تثق في اللغة.” وهو الرأي الذي لم أتلق من أوزبورن نفسه أي معارضة له.
وبعد أن كان أوزبورن يُعد لسان جيل غاضب ذات مرة، صار في الأعوام اللاحقة ينظر إليه باعتباره أحد محاربي طروادة الناقمين. فلم يجد دعماً إلا من فئة قليلة، لمسرحيته إحساس بالانفصال، عام 1972، بهجومها على فساد اللغة وتفشي الفنون الإباحية التجارية. وتكررت محاولاته لاستعادة الرونق والغضب القديمين، في أكثر من مسرحية، مثل “ديجا فو)، عام 1992، وهي تحديث لحياة وزمن جيمي بورتر، وقد أخفقت في تشمل عالم المسرح بعاصفة.
وعلى هذا، ما مدى أهمية جون أوزبورن ككاتب؟ دون ذرّة شك، لقد ساهم في تغيير المسرح البريطاني لزمن ما بعد الحرب، ولا يمكن لشيء أن ينزع منه هذا الفضل. كما أنه كتب نصف دستة من المسرحيات سوف تترك أثراً واضحاً على كل ما سيأتي بعدها. ولكني أحسب أن ذكراه سوف تتردد أيضاً لكتابيه في السيرة الذاتية، (شخص من طبقة أفضل)، و(جنتلمان تقريباً)، والذين يظهران كواحد من أكثر كتّاب النثر توهجّا بين أبناء جيله. أما بالنسبة لهؤلاء المعترضين على إساءته المعيبة نحو زوجته السابقةن جيل بينيت، فلا يسعني إلا أن أذكر ملاحظة قالها أحد الأصدقاء من أن أوزبورن لا بدّ أن يكون أحبها ذات مرّة حباً كبيراً حتى يضطر إلى كراهيتها إلى هذا الحد. أمّا عن الرجل نفسه، فقد كان حزمة من التناقضات. ومن معرفتي الهشّة به، وجدت أنه يمكنه أن يكون ساحراً وودوداً في اللقاءات الخاصة الودية بقدر ما يمكنه أن يكون وقحاً حاداً على الورق. في سنواته الأخيرة، ورغم بلوغه سعادة بيتية حميمة مع زوجته الخامسة، هيلين داوسُن، كان هناك شيء محزناً في استبعاده من المشهد المسرحي المعاصر. وفي جزء من رسالة مرحة للغاية أرسلها لي عن الكاتب المسرحي تيرانس راتيجان، تأمل مسألة البرهة القصيرة من الشعبية والرواج التي يستمتع بها أغلب كتّاب المسرح، قائلاً: “يبدو أنني مهما حاولت لا أجني إلا النفور وعدم المبالاة. لم أحظ قط بالكثير من المريدين أو الأتباع. والآن، حتى الثمالة الباقية بدا أنها تبددت. من الخطأ أن يظل المرء متشبثاً بموضعه لوقت أطول من اللازم.”
رغم خروج أوزبورن من الطراز المسرحي المعاصر، فإن أفضل أعماله سوف تستمر وتبقى. لقد وصف ذات مرة أعماله بأنها “دروس في الشعور”. وتمثلت موهبته الفريدة في خلق أبطال دراميين واضحي الملامح إلى حد ضارٍ، ممن جسدوا نَفسه الجريحة. وقد كان في أهون اعتبار رجلاً ذا موهبة خاصة في الانشقاق والتمرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.