ايمن الجندى يكتب | فى البدء كانت الرحمة

ايمن الجندى يكتب | فى البدء كانت الرحمة

د.-أيمن-الجندى1

 

أجمل لحظات اليوم حينما تنبثق خيوط الفجر الأولى. الأبيض الرحيم يخالط السماء السوداء الموحشة. لحظة الخلاص من الخطر الجسيم. يقضى سواد الليل متوجساً متيقظاً. يصغى لكل حفيف هامس حوله. يرتعب من تكسر الأعشاب. ينام ولا ينام. يغلبه إرهاق اليوم الطويل فيغمض جفونه. ثم سرعان ما ينتبه مع صراخ يتردد فى أرجاء الغابة. الظلام يجعله فى أضعف حالاته وأكثرها هشاشة.

الأحمر الجميل يتشعشع فى الأفق. والفضة النقية تتألق رويداً. والشمس تبعث رسلها. تكتب بخيوط الضوء رسالة مفادها: «صباح جديد عاد فافرحوا واسعدوا».

وقف قائماً شاعراً بالراحة. للأخضر الريان فى ضوء الصباح بهجة.

وبينما هو يسير رأى امراة فى الغابة. حينما شاهدته اتسعت عيناها فى انزعاج واحتضنت طفلها، ثم انتزعت غصنا من شجرة مجاورة، وكأنها تعلنه أنها لن تكون فريسة سهلة. لم يكن ينوى الاعتداء، ولم يدفعه إلى الاقتراب إلا أنه أحب المشهد. لا يذكر الكثير عن أيام طفولته. لكن ذكرى شاحبة لامرأة كانت ترعاه عاودته. يذكر أنه كان يحبو على العشب مسرعا إليها. وكانت تضع الثمار فى فمه بعد أن تلوكها. بعدها اختفت المرأة. ولعل وحشاً افترسها. وتعلم بالحيلة كيف يبقى على قيد الحياة حتى اشتد عوده.

شرعا يتبادلان النظر. كانت هشة وخائفة وقليلة الحيلة. ويبدو أن رجلها لم يكن موجودا. وربما لم يكن لها رجل أصلا. لعله ضاجعها ثم ذهب بعد أن ترك البذرة. لكم يتوق إلى امرأة مثلها، وطفل صغير يحبو فى مدارج الطفولة. ما كان ليتركه أو يتخلى عنهما. لكن المرأة خائفة، ولذلك من الأفضل أن يبتعد.

سار فى طريقه والحنين يعتصره. لم يحن موعد الصيد بعد. وفجأة شاهد رجلا راقدا على العشب ممسكا بقدمه. عيناه المتسعتان تنطقان بالألم. لعله تعثر وهو يطارد أو يُطَارد. المصاب هنا مقضى عليه بالموت. لا فرصة لبقاء لكائن جريح مثله. بمجرد أن رآه حتى اتسعت عيناه فى رعب. ومد ذراعه باحثا عن سلاح قريب. وتذكر لحظتها المرأة. اقترب فى بطء وهو يبتسم له. حاول أن يبعث إليه رسالة مفادها: «لماذا تخاف منى؟ لماذا لا نعيش سويا؟ الكائنات الأخرى تعيش فى جماعات وتستمد الأنس من بعضها! فلماذا لا نجرب؟ لماذا لا أرعاك فى مرضك وترعانى فى مرضى؟ الحياة مخيفة جدا فلماذا لا نتكاتف معا؟ ونواجه سويا الوحوش المفترسة؟ وحين نشد العصا إلى العصا ألا تصبح حينها أقوى؟!».

■ ■ ■

والذى حدث بعدها أنه لم يتردد. اقتطف ثمرة من الشجرة المجاورة، ثم قذفها إليه وراقبه وهو يأكلها. وحين جاء الذئب يتشمم رائحة الدماء ألقى عليه الحجارة ليبتعد. كان التوجس فى عينى الرجل المصاب ينمحى رويدا. وحين انحنى عليه ليحمله استسلم له تماما. فى الأسابيع التالية تفرغ لرعايته. لم يكن يبتعد إلا للصيد الضرورى ثم يعود بسرعة. وحينما تعافى صاحبه واستطاع الوقوف على قدمه المصابة ابتسم لأول مرة. وبرغم أنه استطاع الحركة فإنه لم يبتعد. وإنما شرعا يبنيان كوخاً من جذوع الأشجار معا. كان الكوخ أوسع وأمتن. وحين مر أحد الرجال شرع يرمقهما فى دهشة. تلقوه بالثمار والابتسام حتى اقترب.

وهكذا تجمعت السلالة الإنسانية. ووجد نفسه يفكر فى المرأة. لماذا لا يضمها وطفلها إلى هذا المجتمع الناشئ؟

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.