بلال فضل يكتب|فى هجاء الغتاتة!

بلال-فضل

 عضنا لا زال يحتاج إلى أن نصرخ في وجهه «إيه لازمة الغتاتة يا أخي؟».تخيل أنني عرفت عنوان بيتك بشكل أو بآخر، وقررت أن ألبد لك أمام باب بيتك لأنتظرك كل صباح وأنت تستعد للخروج إلى عملك ليرزقك الله كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا، وفور خروجك لبدء معركتك مع الكون تجدني أهبُّ في وجهك بكل غتاتة الدنيا ورخامة الكون قائلا «شغل إيه اللي إنت رايحه يا أخي..

إنت خدت إيه من الشغل.. هتستفاد إيه.. هي دي فلوس اللي بتاخدها.. وحتى لو ادوك فلوس النهارده أكيد بكره الشركة هتفلس ويطلعوك معاش مبكر أو يلفقوا لك بلوة ويودوك في ستين داهية.. بلاش ده كله ممكن دلوقتي تخبطك عربية أو يقع عليك تكييف أو ييجي لك وباء يجيب أجلك»، سأكتفي بهذا القدر من الغتاتة على أمل أن يكون قد وصلك المعنى الذي أرغب في إيصاله، لم يصلك بعد؟

، طيب دعنا نكمل إذن، خلاص، لن أكمل علشان خاطرك، مع أن تعداد الكوارث التي يمكن أن تقع عليك في بلادنا الحبيبة أمر لا يحتاج إلى مجهود كبير.ما كنت أريد أن أقوله لك بتلك الطريقة الغتيتة، هو محاولة استعطافك أن تعتقني لوجه الله من ذلك اللون من الغتاتة الذي لا ترضاه لنفسك، ومع ذلك فأنت ترضاه لي، أعني إذا كنت واحدا من الذين يقرأون ما أكتبه فيبادرون فور انتهائهم منه إلى المسارعة بإرسال رسائل من نوعية «ياعم إنت بتنفخ في قربة مقطوعة.. دي بلد ما منهاش رجا.. إنت بتتعب روحك على إيه.. مافيش فايدة من الكلام اللي بتقوله.. ريّح نفسك كان غيرك أشطر»، وما إلى ذلك من الكلام السقيم الذي يظن من يكتبه أنه يلعب دور زرقاء اليمامة التي أحيطت علما ببواطن الأمور، فقرّرَت أن تساعد الحمقى من أمثالي لتوفِّر عليهم مشقة الكتابة ووعثاء التفكير.انتظر لحظة، هل تظن أنني الآن أملي عليك ما يجب أن تكتبه لي؟، لا سمح الله، هل أتزلف منك طبطبة أو تشجيعا أو مساندة؟

، حاشا لله، بالعكس أرجوك أوسعني معارضة وهجوما واستهزاء وقدحا وذما بل وشتيمة إذا سمحت أخلاقك الكريمة، ولكن أرجوك، كله إلا تكسير المقاديف، شاركني فيما شئت من آراء أيا كان تطرفها وشططها وحدتها، لكن أرجوك احتفظ فقط لنفسك بآرائك النيرة عن عدم جدوى الكتابة وحتمية خراب مصر، صدقني لست أطلب منك أن تؤمن مثلي بأن الكتابة مجدية، ولا أن تدرك أن مصر لن تخرب إلا بسبب الذين يعتقدون أن الكتابة نفخ في قربة مقطوعة وأن الأفضل أن نسلم البلد للفاسدين والظلمة ونستمر نحن في اللطم والعويل، حاشا لله أن أفرض رأيي عليك، أنا فقط أطلب منك ألا تقف تحت بيتي لتكسر مقاديفي على الصبح، فهل هذا كثير؟

.بالتأكيد لن تنجح الكتابة في تغيير الواقع تماما أو حتى بعض الشىء، لكنها يمكن أن تساعد على إبقاء حلم التغيير حيا، ولعلك لن تجد من يحدثك عن أهمية الإبقاء على جذوة الحلم مشتعلة بين الناس أفضل من أحد سادة الحالمين والمتمردين في كل الأزمنة أرنستو تشى جيفارا الذي تحدث عن «أهمية الإيهام بالتقدم كشرط لنجاح الثورات»، كان ذلك في آخر حوار دار قبل إعدامه بينه وبين المقدم أندرياس زليخ قائد القوة الخاصة البوليفية التي ألقت القبض عليه، وهو الحوار الذي ظل طي الصمت بتعليمات رسمية لمدة 29 عاما حتى مات زليخ وسمحت أرملته للصحفي الأمريكي جولي أندرسون بأن يطلع على مذكراته التي سجل فيها نص حواره الأخير مع جيفارا والذي كان نصه كالتالي:« زليخ: ياكومندان، أجدك محطما إلى حد ما، هل يمكنك تفسير أسباب وجود هذا الانطباع لدي؟

جيفارا: لقد فشلت، كل شىء انتهى، هذا هو سبب رؤيتك لي كما أنا عليه.زليخ: أنت كوبي أم أرجنتيني؟جيفارا: أنا كوبي، أرجنتيني، بوليفي، من البيرو، من الأكوادور، أنت تفهمني.زليخ: ما الذي جعلك تقرر القيام بعمليات في بلادنا؟جيفارا: ألا ترى الظروف التي يعيش فيها الفلاحون؟ إنهم في حالة همجية، يعيشون في حالة من الفقر تجعل قلبك ينتفض ألما، ينامون ويطبخون في غرفة واحدة، ولا يوجد ما يستر أجسامهم، هم مهملون كما لو كانوا حيوانات.زليخ: لكن هذا أيضا موجود في كوبا؟

.جيفارا يرد بعنف: لا، هذا غير صحيح، أنا لا أنكر وجود الفقر في كوبا، لكن على الأقل لدى الفلاحين هناك الإيهام بالتقدم، بينما البوليفي يعيش دون أمل، ومثلما يولد ينتهي إلى الموت، دون أن يرى أبدا أي تحسين في وضعه الإنساني».شوف يا سيدي، في روايته القصيرة المكيرة «أسطورة جبل آغري» يحكي الكاتب التركي العظيم يشار كمال عن سلطان طاغية طلب من معماري بارع أن يبني له سجنا في قصره، كان المعماري العبقري قد جرب قسوة السجن قبل ذلك، فقام كما تروي الأسطورة، بتصميم سجن يوجد في كل زنازينه ثقب يتيح للسجين أن ينظر من خلاله بحرية وأن يدخل النور إلى زنزانته ليبدد وحشتها، وبعد أن انتهى من بناء القصر اختفى تاركا رسالة للسلطان كتب فيها

«من يحاول سد هذه الثقوب سيهدم القصر من أساسه فقد بنيته اعتمادا على ضوئها وستنصب عليه الكوارث ولن ينقذه حسبه ونسبه وطغيانه أبدا».هذه هي الكتابة بالنسبة لي، قد لا تهدم السجن، وقد تدخل صاحبها إلى السجن، لكنها ستظل دائما وأبدا ثقبا في جدار الصمت، يُبقي حلم الحرية حيا لدى المساجين، ستظل بصيص النور الذي يبدد وحشة الزنازين، والطنين الذي يقض مضاجع الطغاة الذين يحبون ألا يعلو صوت فوق صوتهم الذي يدعون كذبا أنه صوت المعركة، فإذا كنت عاجزا عن توسيع ثقب زنزانتك بيديك، فلا تستكثر على أمثالي محاولة توسيعه، لعلنا يوما نخرج من سجن الواقع المقبض المقرف إلى دنيا الله الواسعة الرحبة، ويا سيدي إذا كان لديك فائض من يأس فابخل به علينا، وايأس قدام باب بيتكو.من كتاب (في أحضان الكتب) يصدر قريبا عن دار الشروق

المصدر حريدة الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.