بلال فضل يكتب | آن الأوان ترجعي يا دولة الجواسيس (الحلقة الثالثة)

بلال فضل يكتب | آن الأوان ترجعي يا دولة الجواسيس (الحلقة الثالثة)

بلال-فضل

كيف بدأنا بنموذج القاضي المخبر وانتهينا “زي ما انت شايف”؟

……………………………………………

هل يمكن أن تقبل دولة تنشد العدل وتسعى للتقدم أن ينضم قضاتها إلى تنظيم سري يقوده وزير الداخلية الذي يفترض أن السلطة القضائية هى التي تحكم على تجاوزاته هو وغيره من المسئولين التنفيذيين، وتقتص لمظلوميهم منهم؟

قبل أن تجيبني بـ (لا) دعني أخبرك أن مصر جربت ذلك ونفعت، لا أعني أن مصر نفسها نفعت كما لعلك تعلم وتعيش وترى، لكن الذي نفع وانتفعت به السلطة الحاكمة لها هو تجربة (القاضي المخبر) الذي يجلس على المنصة صباحا، ويجلس في خلية التنظيم الطليعي ليلا، ليسلم التقارير التي يكتبها في زملائه من القضاة، دون أن يشعر بأدنى حرج، لأنه يعتبر نفسه يقوم بخدمة وطنية جليلة، وكيف يشعر القاضي بحرج لأنه يعمل في تنظيم سري يقوده وزير الداخلية، وهو يرى رئيس الدولة نفسه يعتبر ذلك أمرًا يصب في مصلحة الوطن، ويرى زملاءه الذين يرفضون هذا العبث باستقلال القضاء وهم يتعرضون للتنكيل والإضطهاد.

في كتابه (عبدالناصر والتنظيم الطليعي السري 1963 ـ 1971) يروي الدكتور حمادة حسني خلال تحقيقه لعلاقة التنظيم الطليعي بالقضاء، تفاصيل قيام نظام عبدالناصر بإدخال القضاة في لجان التنظيم الطليعي، بدأ ذلك أولا بشكل فردي كما حدث في حالة القاضي عبدالحميد الجندي الذي التحق بالتنظيم منذ 15 سبتمبر 1965 في مجموعة شرق القاهرة برئاسة سامي شرف وأحمد شهيب، ومحمد أبو نصير عضو الأمانة العامة للإتحاد الاشتراكي الذي يصفه الدكتور حمادة حسني بأنه كان عين النظام على عبدالرازق السنهوري، الذي كان ـ إن لم تكن تعلم ـ المستشار القانوني الأبرز لجمال عبدالناصر ورفاقه عقب قيام ثورة يوليو، وكان وراء إخراج الكثير من القرارات الاستبدادية في قالب قانوني يسر الناظرين، لكن علاقته بالثورة انتهت بتسليط الجماهير لكي تضربه بالأحذية وتهين مقامه الرفيع في قلب مجلس الدولة فيما عرف بإسم مذبحة مجلس الدولة عام 1955، والتي كانت فاتحة المذابح القضائية في مصر المنكوبة.

عندما أصبح محمد أبو نصير عضوًا بالأمانة العامة للإتحاد الاشتراكي، قام علي صبري وشعراوي جمعة بتكليفه بإنشاء لجنة بالتنظيم الطليعي تضم القضاة فقط، فبدأ بالاتصال ببعض القضاة البارزين مثل المستشارين ممتاز نصار وعادل يونس رئيس محكمة النقض ومحمد الصادق مهدي، فوافق الأخير بينما فاجأه رفض نصار ويونس، اللذين لم يكتفيا بالرفض بشكل شخصي بل ذهبا لمقابلة وزير العدل عصام حسونة لإبلاغه استنكارهما لما حدث وغضبهما لكرامة القضاء، فشاطرهما الوزير الاستنكار والغضب، وقام بنقل غضبه وغضب زملائه إلى عبدالناصر في مقابلة معه، لكن عبدالناصر كما يروي الدكتور حمادة حسني “فاجأه بقوله إن شعراوي جمعة قد شكل تنظيما سريا من ضباط الشرطة المؤمنين بالثورة، وكذلك فعل شمس بدران في القوات المسلحة، فلماذا لا تفعل في القضاء؟”.

لن تدرك خطورة ما قاله عبدالناصر لوزيره المعترض وأنه لم يكن مجرد كلام ودي، بقدر ما كان سياسة منهجية تهدف لتطويع القضاء لخدمة الدولة، إلا إذا تأملت سلسلة من المقالات وصل عددها إلى تسعة مقالات كتبها علي صبري الأمين العام للإتحاد الاشتراكي، ونشرتها جريدة الجمهورية في الفترة من 18 مارس إلى 26 مارس 1967، قال فيها صراحة أن رجال العدالة لن يتمكنوا من القيام بدورهم الأساسي إذا وقفوا منعزلين عن العمل السياسي متباعدين عن نضال قوى الشعب العاملة، منتقدا في مقالاته مبدأ الفصل بين السلطات، ومطالبا بضرورة إشراك القضاة في التنظيمات الشعبية، ومنددًا ببعض الأحكام القضائية معتبرًا أنها دليل على انفصال رجال القضاء سياسيا عن المجتمع، ومستغربًا من أحكام تصدر بالبراءة لأن تفتيش المتهم كان باطلًا، معتبرًا أنه لو كان هناك التحام بين القضاة وجماهير الشعب لاختلفت الأحكام ـ هكذا بالنص ـ وقائلًا أن ابتعاد القضاة عن نضال الشعب أضر بالعدالة، وأن من رجال القضاء من طالبه بأن يكون لهم شرف المشاركة في العمل السياسي، وأنه سيفكر في أسلوب المشاركة.

ولأن أمين عام الإتحاد الاشتراكي لا يمكن أن يكتب كلامًا خطيرًا كهذا دون أن يكون معبرًا عن توجهات جمال عبدالناصر شخصيًا، فقد كان لا بد أن يرحل عصام حسونة وزير العدل الرافض لهذا العبث الخطير بالسلطة القضائية، حتى وإن كان قد عبر عن رفضه في صيغة تحفظ مهذب، ليتم استبعاده فعلا في 20 مارس 1968 بعد سلسلة تقارير ضده من أعضاء التنظيم الطليعي، ليظهر إصرار عبدالناصر على المضي في سياسته تجاه القضاء والتي أعلنها علي صبري قبل وقوع الهزيمة، وهو ما يثبت أن درس هزيمة 5 يونيو المرير لم يلفت انتباه عبدالناصر إلى أهمية استقلال القضاء وفصله عن أي تأثير من السلطة التنفيذية، وأن ذلك ليس رفاهية، بل شرط من شروط النصر والتقدم، ولعلك لن تستغرب إذا عرفت أن من حل محل عصام حسونة لم يكن سوى محمد أبو نصير الذي استغل منصبه في التنظيم الطليعي لتنشيط دور التنظيم داخل القضاء، ليصبح للتنظيم داخل القضاء قيادة عليا ضمت محمد أبو نصير والمستشارين محمد الصادق مهدي وعلي شنب وعمر شريف وعبدالحميد الجندي ومن النيابة علي نور الدين ومن قضايا الحكومة إبراهيم هويدي وعبدالحميد يونس، وانضم لهم بعد فترة المستشار علي كامل مستشار الإتحاد الإشتراكي وآخرين.

من بين الوثائق الخطيرة التي يقدمها الدكتور حمادة حسني في ملاحق كتابه، توقفت بأسى بالغ عند تقرير شديد الدلالة قام بكتابته بتاريخ 28 نوفمبر 1968 القاضي عبدالحميد الجندي، الذي كان وقتها رئيس محكمة السويس، رفعه لعبدالناصر شخصيًا عارضًا فيه تصوره لمظاهرات الطلبة في المنصورة والإسكندرية، وسأتركك لتأمل بعض فقراته التي ستذكرك بما نقرأه ونسمعه هذه الأيام في وصف مظاهرات طلبة الجامعة لترى كيف تقدمنا إلى الخلف، يقول القاضي الجندي في تقريره “إن الطلبة كانوا أداة لتنفيذ مخطط مرسوم وجاء قانون التعليم فرصة سانحة للتحرك المحموم، يؤكد ذلك أن معهد المنصورة الديني وهو لا صلة له بقانون التعليم كان أول من مارس أسلوب الشغب والتخريب، إن هذه الحوادث تؤكد أن كثير من قطاعات شعبنا تفتقر إلى الوعي السياسي.. كثيرون يفهمون الحرية أنها الفوضى وخروج على القانون، الأمر الذي يحتم أن يكون الوعي السياسي هو القاعدة الأساسية لممارسة الديمقراطية حتى لا تكون الحرية سبيلا للانقضاض على الثورة، وأنه لا يتصور أن يحدث أي عمل من شأنه التأثير على سلامة الجبهة الداخلية وأن يمر بغير عقاب وإجراءات رادعة”، ثم تأخذ الحماسة الطليعية القاضي الجندي ليقوم بالإبلاغ عن محمد حسنين هيكل ـ مرة واحدة ـ متهمًا مقالاته التي كان يكتبها بالإتفاق مع عبدالناصر لتهدئة الجبهة الداخلية، معتبرًا أنها “مقالات نقدية تزيد من حرارة الجماهير وتضعف قدرة الجماهير على الصمود وتجعلها سهلة الإنقياد لمحاولات التضليل”، ويقوم في نفس التقرير بالإبلاغ عن زميله سعد عقبة وكيل النيابة قائلا أنه “جاء إلى نادي القضاة في السويس مرددًا بعض عبارات هيكل ومعتبرًا أن ما حدث في الماضي مسئولية القيادة السياسية وأنه قال أنه سيخوض انتخابات نادي القضاة مستقلًا عن أي اتجاه سياسي، لكنه أعلن له أمام جميع الزملاء أنه “لا بد من أن نخوض المعركة تحت شعارنا الذي نؤمن به وهو شعار الناصرية”.

ولو اقتصر نشاط هذه المجموعة من القضاة على كتابة التقارير التحريضية لهان الأمر، لكن الأدهى والأمر أن أبو نصير بدأ يدعو في اجتماعاته مع القضاة لعدة مطالب سياسية ترغب فيها الدولة أخطرها فصل النيابة العامة عن القضاء وضمها إلى رئاسة الجمهورية، وضم القضاء والقضاة لتنظيم الإتحاد الاشتراكي لتكون عضوية القاضي في الإتحاد واستمرار العضوية شرطًا أساسيًا لازمًا لاستمراره في منصبه، فإذا رأت لجنة النظام بالإتحاد الاشتراكي إسقاط العضوية عنه اعتبر مفصولا من القضاء، وتشكيل المحاكم من قاضٍ وعضوين من عامة الشعب من أعضاء الإتحاد الاشتراكي وتكون الأحكام في القضايا بالأغلبية، وبدأ أبو نصير يروج هذه القرارات بين القضاة واعدًا إياهم في حالة عدم معارضتهم هذا المشروع بمزايا مادية مثل صرف بدل طبيعة عمل وبدل مكتبة واشتراك مجاني في النوادي والقطارات وصرف سيارات حكومية بسائق، وكما يروي حمادة حسني فإن ما قاله استفز القضاة في أحد اجتماعاته بهم بنادي القضاة، ليتصدى له المستشار محمد إبراهيم أبو علم قائلًا: “سيدي الوزير جئت إلينا تخاطب أحط الغرائز فينا، جئت ترشونا بمنافع مادية رخيصة وزائلة، نحن قضاة لا نفرط في مبادئنا لحظة واحدة ونرفض الرشوة ولو كانت الحكومة مصدرها، ونرفض التمتع بأي استثناء نتميز به عن باقي أفراد الشعب ونطالب بإلغاء الامتيازات الممنوحة لفئات أخرى تطبيقا لمبدأ المساواة”، لتضج القاعة بالتصفيق، وتبدأ فصول مواجهة حادة بين دولة عبدالناصر والقضاة أصبحت معروفة فيما بعد باسم مذبحة القضاء.

كان عبدالناصر مستفزًا بشدة في تلك الفترة من قيام بعض القضاة بإصدار أحكام بالبراءة في قضايا سبق أن تحدث عنها في خطبه موجهًا الإدانة لمن اتهموا فيها أمام الشعب، ويضرب الدكتور حمادة حسني مثالًا على هذه القضايا بعدة قضايا: الأولى قضية الفساد في مشروع مديرية التحرير التي تم تقديم متهم فيها ككبش فداء هو الدكتور أحمد السمني لكي لا تلتصق التهمة بالضباط الذين يديرون المشروع، وقال عبد الناصر في خطاب له لاعبًا دور القاضي والجلاد بالنص “وجبنا أستاذ في كلية الزراعة ليدير المشروع ولكنه اختلس أمواله ويحاكم الآن أمام القضاء”، ليفاجأ هو وغيره بعد عدة أيام بمحكمة يرأسها المستشار رياض لوقا وعضوية المستشار عبدالخالق فريد ـ ابن الزعيم محمد فريد بالمناسبة ـ والمستشار جمال المرصفاوي، تحكم ببراءة الدكتور السمني، ليعتبر عبدالناصر ذلك الحكم خروجا عن الخط السياسي للدولة.

كان هناك أيضا قضية السفير أمين سوكة الذي اتهم بالتجسس وحكم ببراءته في مارس 1969 أمام دائرة يراسها المستشار سعيد كامل، أما القضية الأكثر إثارة لغضب عبدالناصر فقد كانت قضية المستشار محمود عبداللطيف الذي تم اتهامه بمحاولة قلب نظام الحكم، وثبت للمحكمة التي رأسها المستشار حلمي قنديل كذب شاهد الإثبات لعجز المتهم عن حمل الآلة الطابعة للمنشورات التي زعم الشاهد أنه كان يحملها، فحكمت المحكمة ببراءته، ليكتب عبدالناصر ورقة تم ضبطها فيما بعد في عهد السادات في قضية مذبحة القضاء مكتوبا عليها بخط يد عبدالناصر (قضاة أمين سوكة وقضاة محمود عبداللطيف بره)، وهو ما حدث بالفعل عندما تم عزل جميع هؤلاء القضاة في مذبحة القضاء.

ولم يكتف عبدالناصر بذلك بل استخدم سلطته كحاكم عسكري وقام بالتأشير بإلغاء الحكم ببراءة المستشار محمود عبداللطيف وأمر بإعادة المحاكمة مرة أخرى، لتعاد أمام دائرة أخرى برئاسة المستشار عبدالعزيز أبو خطوة، وعندما طلب المحامون وعلى رأسهم المحامي الشهير عبدالعزيز الشوربجي نقيب المحامين تأجيل القضية، فوجئوا برئيس المحكمة يحكم بالبراءة فورًا، قبل أن يغادر رئيس المحكمة فورًا ليستقل تاكسي ذاهبًا إلى وزير العدل مقدمًا استقالة مكتوبة نصها (بيدي لا بأيديكم فلن أمكنكم من إرهاب القضاة من جديد بعزلي)، وهو ما جعل عبدالناصر بعدها يطلب ملف القضية ويقوم بالتأشير على الحكم بخط يده كاتبًا (يبقى محمود عبداللطيف في السجن حتى الموت)، وهو ما حدث بالفعل، فقد بقي محمود عبداللطيف مسجونا حتى موت عبدالناصر، ليتم بعدها الإفراج عنه تنفيذًا لحكم القضاء بالبراءة، وهو ما حدث أيضًا للسفير أمين سوكة الذي قضى سنتين في السجن برغم حصوله على البراءة.

لذلك لم يكن غريبا في ظل عبث كهذا، أن يقوم علي صبري بتجاوز الأعراف القضائية، ويقوم بتعيين ثمانية من أعضاء التنظيم الطليعي في النيابة العامة، وتصدر لهم قرارات جمهورية بذلك، ويتم إدراج وظائف لهم في الموازنة، دون التقيد بترتيب التخرج، بل ووصلت المهزلة حدها الأقصى عندما اتضح أن أحدهم لم يكن من خريجي كلية الحقوق أصلا، والغريب أن من برر هذا القرار العجيب وقتها كان أنور السادات عندما أثير الموضوع في مجلس الأمة حيث اعتبر أن “هؤلاء هم الذين يتصدون بكل قوة لقوى الثورة المضادة وفلول الرجعية والإقطاع والأحزاب السابقة والإخوان”، قبل أن تدور الأيام والليالي، ويفتح السادات في ظل رئاسته ملف مذبحة القضاء ويقوم بإنصاف كل القضاة الذين أطاح بهم عبدالناصر لقيامهم بتحدي رغبته في سيطرة الإتحاد الإشتراكي والتنظيم الطليعي على القضاء، وتلك قصة أخرى، أواصل روايتها الأسبوع القادم، تاركا لك فرصة التأمل في بدايات سعي الدولة للسيطرة على القضاء، وأظن ذلك سيساعدك في فهم كيف أصبحنا “زي ما انت شايف”.

المصدر:مدى مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.