بلال فضل يكتب | القوائم السوداء والدببة البلهاء!

على كثرة ما أدلى به الدكتور حازم الببلاوي مؤخرا من تصريحات تفقع المرارة وتلخبط الحيارى، لم نسمع منه تعليقا على ما نشرته صحيفة الوطن مؤخرا عن رفضها نشر وثيقة نسبت زورا لموقع ويكليكس تزعم تقاضي عدد من النشطاء السياسيين والحقوقيين لمبالغ مالية من السفارة الأمريكية بالقاهرة، بعد أن أرسلتها إليها وإلى باقي الصحف «جهة سيادية» لم تحدد الصحيفة اسمها، مما كشف أننا عدنا وبسرعة قياسية إلى عصر الدببة السيادية التي قتلت صاحبها السابق، وها هي بعد أن تغير إسم صاحبها تعود لهوايتها ساعية لقتل صاحبها الجديد، خاصة بعد أن أدركت أنها تملك حصانة من العقاب والحساب يجعلها تفعل ما تريد وقتما تريد.

بعد تسابق كثير من برامج الفضائيات على الإشارة إلى الوثيقة المضروبة التي أضاف إليها كل من أراد ما يروق له من أسماء لزوم تصفية الحسابات، كشف بعض الذين وردت أسماءهم بها أنه كان قد سبق نشرها قبل عامين، وأنهم قاموا حينها بتقديم بلاغات للنيابة ضد من نشروها، لست محتاجا لأن تسألني عن مصير تلك البلاغات، فلو كان قد تم إتخاذ إجراء حاسم بشأنها، لما تكرر نشرها هي وغيرها من الأوراق المفبركة التي أصبحت لعبة مفضلة لبعض أذناب الدولة الأمنية الذين يتصورون أن الوقت الآن مناسب لتصفية حساباتهم مع كل من ساهم ولو لبعض الوقت في تقليص سيطرتهم على مفاصل الدولة، فهم يدركون أن حالة القلق المَرَضية التي تسيطر على الملايين تجعل لديهم استعدادا لتصديق أن كل من يحمل رأيا مختلفا مع «صف الفرم الوطني» هو مأجور أو خائن، لأن افتراضهم أنه يقول رأيا مختلفا عنهم بدافع وطني، سيستوجب سماع رأيه والتفكير فيه ومناقشته، وكلها أمور مرهقة عصبيا لا يحتملونها مع اتساع دائرة الدم التي جعلت حلم كل منهم أن يبقى على قيد الحياة هو ومن يحب، مهما كان الثمن الذي يظنون أن غيرهم فقط هم الذين سيدفعونه.

لم يكن اسمي بين من أشارت إليهم الوثيقة المضروبة، لكن جهة ما أرادت أن تعوضني خيرا. أرسل إليّ صديق رابطا لصفحة مشمومة على (الفيس بوك) نشرت صورة مفبركة لكشف مكافآت نسبته لأمير قطر السابق يمنح فيه عددا من الشخصيات العامة مكافآت مجزية على خيانتهم للوطن، مفبرك الكشف غره تهافت الصحف والفضائيات على نشر وثيقة ويكليكس المضروبة، فقرر أن يستعجل ويضع في الكشف كل من يحسبون على ثورة يناير سواءا كانوا مرشحين رئاسيين متنافسين أو كتابا أو إعلاميين، واضعا أمام اسم كل منهم مبلغا ماليا وتوقيعه على استلام المبلغ، ناسيا أن أبسط قواعد الجاسوسية تقضي أن لا يوقع الجواسيس على كشف مكافآت واحد، لكي لا يعرف كل جاسوس ما حصل عليه زملاؤه فتصيبه الزمزقة ويطلب بالمساواة في الحد الأقصى لأجور الخيانة، أنا مثلا اتقمصت عندما وجدت أن المبلغ الذي حصلت عليه نظير خيانتي أقل من زملائي بكثير، حصلت على 500 ألف دولار فقط، وهو رقم يدل على رخص خيال واضعه وعلى تواضع قيمة الوطن لديه؟، هذا رقم لا أخون من أجله مزلقان ناهيا، فكيف أخون به وطنا عظيما لا يمكن أن تخونه بأقل من مائة مليون دولار، أعرف أن الوطن أغلى بكثير، لكن على الإنسان أن يكون واقعيا أحيانا لكي لا يطفش الراغبون في تجنيده.

في الأسابيع الأخيرة ومع اشتداد هوجة الطابور الخامس وجدت نفسي موضوعا ضمن عدد من القوائم السوداء التي لا أدري من يضعها، لكنني أرغب في أن أقول له كلمة محشورة في زوري، لا ليست هذه الكلمة، فهي تفقد قيمتها عندما تُكتب، عزيزي واضع القوائم السوداء: لا يغضبني أبدا أن تضع اسمي في قائمة سوداء، ما يغضبني ويحزنني ويقرفني ألا تأخذ رأيي في من أنا موضوع معهم في القائمة لتمنحني فرصة الفخر بوجودي فيها، ليس معقولا أن أظل منذ عصر مبارك حتى الآن أرى اسمي في قوائم سوداء متهمة بالخيانة أو الكفر أو العمالة أوالإلحاد، وبدلا من أن أقوم بطبع صور تلك القوائم لأعلقها في بيتي بكل فخر، أجد في كل قائمة خازوقا هو وجود شخصيات ربما كنت أكرهها أكثر من واضع القائمة السوداء نفسه، ليتحول شعوري من الفخر والرضا إلى القرف والذهول لأنني «محطوط في قايمة سودا مع الأشكال دي»، لذلك أتمنى على كل من يفكر في وضع قائمة سوداء جديدة أن يتواصل معي عبر البريد الإلكتروني ليستعرض معي أسماء القائمة، ويترك لي حق الإستبعاد أو اقتراح أسماء بديلة، على ألا يحرمه ذلك من حقه في تخوين أكبر عدد يريده، فيقوم مثلا بوضع الأسماء التي أستبعدها في قوائم أخرى بضم الألف أو بفتحها، أو حتى أن يتخلى عن فكرة القوائم في التخوين، و»يمشيها تخوين فردي وخلاص».

هذا وحتى يفتح الله على الدكتور الببلاوي قائد الجزء الديمقراطي في «الحكم المخلّط»، فيقول للشعب شيئا عن طبيعة الجهة السيادية التي أرسلت وثيقة ويكليكس المضروبة للصحف، يبقى التأكيد على أن سكوت أجهزة الدولة الرسمية على مثل هذا العبث الضارب أطنابه في صحف وفضائيات البلاد يعني أنها تعرضت فعلا للأخونة، فقد أصاب عقول قادتها نفس المرض الذي أصاب الإخوان فجعلهم لا يدركون أن مشكلتهم ليست مع شخصيات معارضة مهما كانت كراهيتهم لها ومهما كانت هذه الشخصيات كريهة بالفعل، وإنما ستظل مشكلتهم ومشكلة كل من يحكم هذا الوطن مع جيل شاب ثائر صعب الإرضاء ظن الإخوان ومن سبقهم أن من السهل قرطسته وركنه على الرف أو قتله وقمعه، وبدلا من أن ينشغلوا بحل مشاكله وجعله طرفا فاعلا في المشهد انشغلوا بحرق وتشويه معارضيهم والدخول في معارك لا علاقة لها بإصلاح واقعه العفن الذي زادوه تلوثا وفسادا، كما فعل ذلك خيرت الشاطر، فعله من قبله مبارك وطنطاوي، ودفع الجميع ثمن ذلك غاليا، ولا أظن أن الوطن يحتمل دفع المزيد من الأثمان التي تورطه فيها الدببة القمعية الغبية التي آن لصاحبها أن يبادر إلى شكمها قبل أن تمارس هوايتها المفضلة في قتله.

 

المصدر: جريدة الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.