بلال فضل يكتب | ثورة مروان وجيله

بلال فضل يكتب |  ثورة مروان وجيله

بلال-فضل

كانت الأيام الماضية حافلة بكوميديا الموقف، لكنها كانت جميعا من صنف الكوميديا السوداء التى لا تبعث إلا على الضحك المجروح الموجع، اللهم إلا مشهد وحيد ضحكت له من قلبى ضحك المستبشر بالخير المشرق بالأمل الموقن بأن مستقبل هذا البلد لن يصنعه إلا شباب ثورتها الحر.كان ذلك فى الإسكندرية، عندما دعى ثائر شاب اسمه مروان طارق فى السادسة عشرة من عمره ليلقى قصيدة فى أمسية ثقافية، نشاهد فى الفيديو الذى يصور ما فعله مروان فى تلك الأمسية، رجلا كبيرا يقوم بتقديمه بعبارات مزهوة بموهبة مروان ومفتخرة بنشاطه، يصعد مروان ويطلب من الحاضرين أن يقفوا دقيقة حداد على أرواح الشهداء، ثم تنطلق من فمه الحر كلمات تجهر بالحق الذى لم يعد الناس يطيقون سماعه، مطالبا بأن يمثل بين يدى العدالة كل مسئول عن سفك دماء المصريين فى عهود مبارك وطنطاوى ومرسى والسيسى، ينهى كلمته ويترك المنصة وسط هياج بعض من فى القاعة وترحيب بعضهم، فى حين تصيب الشخص الذى قدمه نوبة غضب فيعلن أنه يتبرأ من مروان إلى الأبد، مقدما نهاية درامية للمشهد الذى تختلط فيه مشاعر الإعجاب بالفتى الثائر بمشاعر الشفقة على الرجل الذى يخاف أن يتعرض للإيذاء بسبب إطرائه على مروان الذى ارتكب جريمة التمرد التى بفضلها أصبح مؤيدو الفريق السيسى على أن يسعوا لإيصاله إلى رئاسة الجمهورية مطالبين بإخراس كل من يعترض على ذلك، ظنا منهم أن التمرد فكرة يتم استخدامها مرة وحيدة ثم تُدفن للأبد.على موقع (بوابة يناير) الذى أنشأه مجموعة من الصحفيين الشباب الثائرين على ظلم شيوخ منصر الصحافة، كتب مروان طارق قصته بالتفصيل، راويا أنه دُعى من منظمى الندوة المقامة بمركز الحرية والإبداع لإلقاء قصيدة فى حفل توزيع جوائز أدبية تقيمه جماعة الأدب العربى للشعر والإلقاء، وقيل له إن حضور الحفل سيكون من بينه عدد من رؤساء الجامعات والإعلاميين واللواءات المتقاعدين، ذهب مروان إلى الحفل مع أصدقائه من حركة الاشتراكيين الثوريين، ليلاحظ وجودا أمنيا مشددا بالمكان القريب أصلا من قسم العطارين، ويضيف أنه لاحظ أن مدير الحوار الذى يعمل إعلاميا فى إذاعة الإسكندرية كان يتحدث بعد كل فقرة غنائية بكلام يعبر فيه عن آرائه السياسية بعبارات على رأسها المقولة الخالدة «مصر أم الدنيا وهتبقى قد الدنيا»، ومشيدا بحديث السيسى فى خطابه عن «ولادنا الصغار»، بل إنه حتى عندما تحدث عن عيد المولد النبوى ربطه بالاستفتاء على الدستور، يذكر مروان ذلك ليرد على اتهام البعض له بأنه أدخل السياسة إلى ندوة أدبية لا علاقة لها بالسياسة، ولا أدرى كيف يمكن أن يتصور عاقل أن الأدب والشعر لا يمكن أن يكون لهما علاقة بالسياسة فى أى عهد من العهود، فما بالك بعهد ما بعد ثورة 25 يناير، ولا أدرى أيضا كيف يجرؤ أحد أصلا على أن يتحدث عن فصل الأدب عن السياسة، فى أيام لم يعد فيه الأدباء والشعراء ولا حتى نجوم الفن والرياضة يقولون شيئا لوسائل الإعلام سوى إعلان تأييدهم للسيسى ومحبتهم له، أكثر مما يتحدثون عن نشاطهم الأدبى والفنى والرياضى أصلا.بعد أن تم توزيع الجوائز دعى مروان طارق لمساهمته التى اختار أن تكون إلقاءا لقصيدة (أزرق) التى كتبها مهند زهير وغناها فريق بلاك تيما، معلنا عن إهدائها لصديقيه المعتقلين فادى العرينى ومهند إيهاب الذين تم اعتقالهما من أسفل منزل مهند فى شارع سيدى بشر عقب مسيرة للإخوان المسلمين شهدها الشارع، لم يشاركا فيها على كثرة مشاركتهما من قبل فى المسيرات والتظاهرات منذ 2010، يقول مروان فى شهادته إن فادى رفض عرضا من مدير أمن الإسكندرية لإخراجه من السجن بعد أن توسط البعض لديه، قائلا إنه لن يخرج بدون مهند صديق عمره، وكان جزاء فادى العضو فى حركة 6 أبريل أن يجد نفسه متهما بالانضمام لجماعة الإخوان الإرهابية وبممارسة الشغب والتظاهر بدون إخطار ويتم ترحيله لسجن الأحداث، بوصفه خطرا داهما على الدولة العتيدة التى لم تعتق عدالتها أطفال الابتدائى فما بالك بالمراهقين.يحدثنا مروان أيضا عن صديقه المعتقل مهند إيهاب الثورى المستقل الذى كان عضوا فى رابطة أولتراس ديفيلز وتركها، لكنه لم يترك كراهيته للقمع الأمنى ورفضه لعسكرة الدولة، وهو ما جعله يرفض أن يصمت على وصم مختلفين معه فى الرأى بأنهم إرهابيون دون أن يتم إثبات ذلك بشكل قانونى وبعد تحقيقات عادلة لا توقع العقاب الجماعى على أحد، لذلك ذهب مهند لاعتصام رابعة ليعبر عن رأيه المختلف مع الإخوان والرافض لأى انتهاك لحقوقهم، ليصاب بخرطوش فى مجزرة المنصة، ويحدث فض اعتصام رابعة وهو فى الإسكندرية يعالج من إصابته، وبعدها يبدأ فى توثيق كل ما يحدث حول مديرية الأمن فى منطقة سموحة، ليعتقل بتهمة حيازة كاميرا، ويخرج بسبب صغر سنه، ويقبض عليه هذه المرة تحت بيته دون أن يكون مشتركا فى أى مسيرة، لكن مع ذلك يتم اتهامه بقتل 12 جنديا وخطف مدرعتين وممارسة العنف والشغب.يسأل مروان طارق فى ختام شهادته من يتهمونه بخلط الشعر والفن بالسياسة عن أى فن يتحدثون بعد كل هذا العبث بالقانون وبعد عودة ممارسات نظام مبارك، مؤكدا على إيمانه بما قاله فى الأمسية بأن مصر لن تكون أم الدنيا ولا قد الدنيا حتى يتحقق القصاص من كل القتلة فى كل العهود، ومكررا هتافه «يسقط كل من خان عسكر فلول إخوان»، ومعربا عن فخره بمساهمته فى كسر حاجز التطبيل الذى يسمونه حاجز الخوف، قبل أن يختم شهادته بعبارة رائعة يقول فيها «ليس عندى ما أقوله للجميع سوى: تكلم ناضل وتحرر فأنت نور عين السيسى، حتى يأتى دورك فى معركة لا يكسب الفائز منها سوى الدم».إذن فليهنأوا بسيطرتهم على الصناديق والميادين أيضا، لأن مستقبل مصر لن يصنعه إلا مروان وفادى ومهند وأبناء جيلهم على كل ما بينهم من اختلافات، وستثبت الأيام أن ما سوى ذلك ليس سوى استنزاف للوقت والدم والجهد وتضييع للمزيد من فرص التغيير وضحك على الدقون بعد حلقها.

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.