بلال فضل يكتب| حوار مع خواجة(1)

بلال-فضل

• بعد أن فاز الاخوان المسلمون بالحكم، من الصعب على العقلية الاوروبية فهم  كيف تحول هذا الفوز إلى هزيمة في فترة وجيزة.. ماذا حدث؟

لا أريد أن أبدو مغرما بالتبسيط، لكن صدقني لا أجد تفسيرا أصدق ولا أعمق ولا أكثر اقناعا من ذلك الموجود في قصص الأطفال البسيطة التي تتحدث عن مصير الطماع الذي يخلف وعوده ويدفع ثمن ذلك، أو عن الجائع الذي وجد الطعام بعد طول انتظار فنسي ضرورة الأكل بحذر وقرر أن يأكل بشراهة فمات من التخمة، أو عن ذلك الكذاب الذي صدقه الناس في أول مرة عندما استنجد بهم وعندما جاء الخطر الحقيقي استنجد بهم فلم ينجدوه. يبدو أن الحقائق القديمة لا زالت صالحة لإثارة الدهشة كما يقول الكاتب المصري الكبير يحيى الطاهر عبد الله.

• لا زلت مصرا على أن تقدم لي من فضلك تحليلاً لما حدث؟

من أخطاء العقلية الغربية أنها تفترض أنه يمكن تحليل كل شيئ في مصر بشكل منطقي تماما، ربما كان ذلك ممكنا في بلادكم لأن هناك ثوابت تبنى عليها العملية السياسية ولذلك يمكن أن يتم استخدام تلك الثوابت كمرجع للتحليل، لكن لدينا المسألة أصعب، ولذلك يبقى ما أقوله تفسيرا شخصيا أكثر من كونه تحليلا علميا، كنت قد قلت في برنامج تلفزيوني ظهرت فيه في نهاية العام الماضي عقب إصدار مرسي للإعلان الدستوري أن على الإخوان أن يكفوا عن العناد ولا يتخيلوا أن بقاء الشعب في صفهم أمر مسلم به، لأن الشعب المصري ليس لديه عزيز وصبره ينفد بسرعة وهم لن يكونوا أغلى عنده من جيشهم الذي حملوه على الأعناق في فبراير 2011 وبعد أن تورط في إسالة دمائهم بدءا من اكتوبر في نفس العام بدأت حملات الضيق تزداد به حتى باركوا الإطاحة به برغم أنه كان على رأسه شخص مثل المشير طنطاوي من أبطال حرب أكتوبر. للأسف لم يدرك الإخوان ذلك ولم يفهموا أن من أبرز المشاكل التي تصاحب الثورات هي ثورة التوقعات التي لا يلبيها الواقع، جزء من ثورة الناس السريعة على طنطاوي ثم مرسي من بعده أنهم لم يجدوا شيئا في الواقع يتحسن، في مصر كنت تسمع عقب ثلاثة أشهر من الثورة جملة “هو إيه اللي اتغير لحد دلوقتي”، كان كتاب مثلي يعتبرون مجانين عندما نكتب أننا لكي نتحدث عن تغييرجذري في مصر لا بد من أن يحدث ذلك خلال سنين، كاد أحدهم يمسك بخناقي عندما استشهدت برأي لجين شارب يقول أن أي تغيير جذري يحدث خلال عشرين إلى 25 عاما فحمدت الله أني لم أقل له رأي هوارد زن أنه لا يوجد أصلا تغيير جذري تحدثه أي ثورة بل كل ما في الأمر هو تسريع وتيرة الإصلاحات بنسبة تختلف من بلد لأخرى. هذا هو ما حدث ببساطة، حتى الذين انتخبوا الإخوان لأنهم يريدون تطبيق شرع الله أصابتهم خيبة الأمل عندما لم يقوموا بتطبيق الحدود الشرعية واغلاق محلات الخمور وتحرير فلسطين خلال سنة وبدأوا يسخرون من الشعارات التي رفعها الإخوان وهنا بدأ الإخوان يقولون ماكان ينبغي قوله من البداية بأنه لا شيئ يمكن أن يتغير بين يوم وليلة، ولكن بعد أن بدوا للشعب كأناس عاديين لا يمتلكون القوى السحرية المستمدة من الدين التي تغير الواقع فلم يعد الناس قابلين للتمسك بهم، ولجأوا إلى الكفة التي تملك القوة السحرية التي قد تحقق لهم تغييرا سريعا وهي قوة الجيش التي تستطيع فرض الهيبة بسرعة لكي يعود الاستثمار ويتحسن حال الناس. وموقف الناس في الفترة القادمة من أي شخص يحكم مصر سيبقى مرهونا بشيئ واحد هو قدرته على تحقيق انجازات سريعة ملموسة حتى لو كانت معتمدة على على حلول دموية، شيي يشبه خلق نابليون جديد ولكن على الطريقة المصرية.

• هناك مصريون ينكرون ان ما حدث  انقلاب، لكن الجيش أطاح برئيس انتخبه المصريون لماذا هذه المقاومة لمن يتحدث عن انقلاب؟

لأن ما جرى في 30 يونيو هو جوهر ما جرى في 25 يناير مع عدد من الإختلافات، في يناير نزل آلاف ثم مئات الآلاف ثم ملايين في الشارع ضد مبارك، وكان يمكن أن يبقى الناس في الشوارع شهورا وليس 18 يوما فقط لولا أن الجيش ساندهم في البدء بشكل مستتر من خلال بيانات مكتوبة بحرفية، ثم عندما قال لمبارك في 10 فبراير أنه لن يستطيع منع غضب الناس عنه إذا لم يترك منصبه ويذهب إلى شرم الشيخ، في 30 يونيو نزل الناس بالملايين لأنهم شعروا بأن الجيش سينحاز لهم وكان رد الجيش أسرع وعلنيا، لذلك لو قبلت بمنطق أنه انقلاب فينبغي أن تسمي ما جرى في يناير انقلابا أجبر عليه ورفضه مرسي. على أية حال المسألة أكبر من التوصيف الشكلي، في جوهر الأمر لن يصدق أحد الإخوان عندما يشتكون الآن من دور المؤسسة العسكرية فهم من رسخوا له دستوريا وواقعيا وهم من استخدموها هي والمؤسسة الأمنية في ضرب معارضيهم الذين كانوا يطالبون بمحاسبة قادتها المتورطين في جرائم خلال الفترة الانتقالية.

• لكن بالتأكيد هناك حلول للتعامل مع الموقف غير ما يجري من قمع للإخوان لأنه يمكن أن يؤدي إلى تعقيد الأمور أكثر؟

طبعا وهذا ما تقوله أصوات قليلة وللأسف لا يعجب الكثيرين، حتى لو طلبت منهم أن يفكروا بشكل براجماتي بحت بعيدا عن القيم الإنسانية، نحن للأسف نمر بلحظة هستيريا جماعية ستطول للأسف حتى يزهق الناس من دفع الثمن، لأنهم يفكرون بنفس منطق الحل السريع: هيا نقمع الإخوان لكي نرتاح، مع الوقت سيدركون أنه لن يمكن لهم أن يرتاحوا للأبد وعندها سيبدأون في التفكير في حلول سياسية وعقلانية أخرى كالتي طرحها البرادعي وتعرض للتخوين. لا أحد يتعلم من التاريخ في بلادنا، والكل يظن أنه سينجو من قوانين الكون.

المصدر: جريدة الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.