بلال فضل يكتب | دعوني أحدثكم عن “الحفّافة”!

بلال فضل يكتب | دعوني أحدثكم عن “الحفّافة”!

بلال-فضل

(قصة ذات عظات وعبر من صميم الحياة المصرية ـ للراشدين فقط)

الناس يسمونها “حفّافة”، وهي لا تحب تلك التسمية مع أنها من منطقة شعبية وتؤمن أنه لا عيب إلا العيب، لكنها اختارت البحث عن تسمية أخرى ليس فقط لأنها خريجة جامعية لديها كبرياء، ولكن لأنها تعمل في “بيوتي سنتر” كبير ومحترم في مدينة نصر، وليست “ما تآخذنيش يعني” من اللواتي يقمن باللف على ستات البيوت، لذلك هي تفضل تسمية نفسها “خبيرة ميك أب”، وزبائنها لا يمانعون الإسم، لإن كلمة “حفّافة” لا تليق أيضا بمستواهم الإجتماعي، وأهلها أيضا أعجبهم لقب “خبيرة ميك أب” واعتمدوه بفخر بالغ، حتى أن زوجة أخيها التي تعمل في المهنة منذ سنوات وأدخلتها إلى المهنة وعلمتها أصولها، لم تعد تُحرج وتغمغم بكلمات غامضة عندما يسألها أحد عن مهنتها، بل أصبحت ترفع رأسها بشموخ وتقول “خبيرة ميك أب”.

في سنوات ما بعد الثورة لم تكن بطلتنا من الذين تضرروا من تدهور الأحوال الإقتصادية في البلاد، فالشعر ليس عزيزا، وإلا لما كان يطلع حتى في الدهاليز كما تعلم، ولذلك فقد كان لديها كل يوم ثمة من تحتاج إلى حَفّ وتزيين وتهيئة و”نظافة شخصية”، ولذلك كان يصل دخلها الشهري من السنتر إلى ستة آلاف جنيه مرة واحدة. أشياء زوجها كانت معدن أيضا، فقد كان سائق تاكسي من النوع المحب للمهنة والصامت أيضا في نفس الوقت، وهو نوع شارف على الإنقراض، لكن مؤهلاته كانت كافية أن تجلب له زبائن محبين وأسخياء، لم تكن محظوظة فقط بزوجها لأنه كسيب، بل لأنه كان جدعا و”حنّين” عليها وعلى ولديها، مستقبل الولدين بدا واعدا بفضل ما كان الإثنان يدخرانه كل شهر، وإذا كانت نفسك قد بدأت “تموع” من فرط السعادة الموجودة في الحكاية، دعني أذكرك أننا نتحدث عن مواطنين مصريين عاديين، ولذلك يستحيل أن تستمر القصة سعيدة هكذا بعد البوبينة الأولى بلغة السينما، حتى تعالوا نشوف:

يومها، كانت العروسة المنتظرة قد جاءت إلى البيوتي سنتر بصحبة والدتها لعمل اللازم قبل زفافها بليلة، ولذلك لم يكن غريبا أن تكون مستعجلة ومتوترة و”مش طايقة حد”، كان يجب أن تبدأ زينتها بالسويت، ذلك الإسم الذي فضلوه على الحلاوة كما فضلوا الأدب على العلم، وبطلتنا اقترحت أن تبدأ عملها في “الإسبيشيال إيريا” لأنها “الأصعب في الشغل”، لكنها قررت بعد أول نظرة أن ذلك لن يكون ممكنا قائلة لصاحبة السنتر “معلهش يا مدام أصل الآنسة عليها دم”، لم تكن تقصد بالطبع مدح العروسة بأن عندها دم، بل كانت تقصد الإشارة إلى أنها تمر بأيام دورتها الشهرية، والجملة التي قالتها بطلتنا “عادي يعني”، لم تعجب العروسة التي قالت بغضب “إيه عليها دم دي؟!.. مش تختاري ألفاظك وبلاش الألفاظ البيئة دي.. اسمها عندها البيريود.. وبعدين مش فاهمة إنتي مالك باللي عندي.. ما تشتغلي وانتي ساكتة أحسن لك”، ولأن بطلتنا “بنت سوق” فقد كانت مدربة على أن تتعامل مع أي انفلات أعصاب بثبات انفعالي وبابتسامة عريضة جدا، لكنها لم تقو على الإبتسام هذه المرة لأن مزاجها كان متعكرا يومها، ربما لأنها كانت أيضا “داخلة على البيريود”، أو لأن هناك تفسيرا آخر أكثر منطقية تقوله الآن بعد أن اتضحت نظرتها لما جرى، هو “اللي زينا حظه كده.. استحالة تكمل معانا حلو للآخر”.

لا أريدك أن تفترض أن بطلتنا غضبت من انفعال العروسة فرفعت صوتها أو حتى لوت بوزها، على العكس تماما، فقد ظلت هادئة كراهب بوذي قديم، وقالت للعروسة الغاضبة بأدب جم “يا فندم أنا ممكن أعمل لحضرتك اللي انتي عايزاه بس ما ينفعش أقرب للإيريا دي وانتي عندك البيريود”، لتنفلت العروسة المتوترة بوصلة من السباب، لم ترد عليها بطلتنا، مكتفية بالإبتعاد عن العروسة الغاضبة، وعندما طلبت منها مديرة البيوتي سنتر أن “تعديها” وتشتغل، طلبت منها أن تنظر بنفسها إلى “الإيريا” لترى كيف تبدو آثار الإستحالة جلية للعيان: “يا مدام لو قلتي لأي واحدة من البنات تشتغل في الإيريا بحالتها دي مش هترضى”، وإذا كنت لم تفهم ما تقصده بطلتنا بجملة “بحالتها دي”، فدعني أقل لك أنني لم أفهمها أنا أيضا، لكنني لم أسألها عن أي تفاصيل للتفسير، “مش لإني مش قادر ولكن لإني مش عايز”.

العروسة الغاضبة لم تكتف بعد تيقنها من رفض طلبها بشتم البنت، بل وشتمت البيوتي سنتر وصاحبته واليوم الذي جاءت فيه، متوعدة الجميع قبل انصرافها بالويل والثبور وعظائم الأمور، والكل تعامل مع تهديداتها على أنه انفلات أعصاب طبيعي بسبب “اللي هي فيه”، متمنين لها أن تجد “حفافة بيتي” تتساهل في التفاصيل وتوافق على أن تفعل لها كل ما تريده دون تأفف، وبعد أن انصرفت بزعابيبها، ظلت بطلتنا طول اليوم تتفنن في معاملة زبائنها بزيادة عن الطبيعي، لتثبت لصاحبة البيوتي سنتر أنها لم تكن متكاسلة أو متخاذلة، وكل ما هنالك أنها لم يكن ينفع أن تشتغل في “إيريا بالحالة دي”.

قطع

ليل ـ داخلي ـ تخشيبة قسم شرطة

ترقد بطلتنا على أرضية التخشيبة محاولة أن تفهم ما الذي أتى بها إلى هذه التخشيبة المكتظة بمجموعة من المجرمات الجنائيات ومجموعة أخرى من الفتيات والسيدات المحتجزات من مظاهرات جماعة الإخوان، لم تتوقع أن تجد نفسها محتجزة مع إخوانيات وهي التي تحب البطل عبدالفتاح السيسي وتعشق سواد نور عينيه، ولم تتأخر لا هي ولا زوجها ولا عائلتها في مساندته وتفويضه وتأييده لكي يطهر مصر من الإخوان، فكيف إذن حدث ما حدث؟

لو كانت تعلم أن أخو العروسة الغاضبة وكيل نيابة “قد الدنيا” لكانت قد تنازلت وفعلت لأخته ما تريد في “أي إيريا في أي بيريود”، لكن كيف كان لها أن تتوقع أن أخو العروسة سيأتي في اليوم التالي مباشرة ليحول تهديدات أخته من بعبعة إلى كابوس، حين يتهمها بسرقة خاتم ذهبي ثمنه ثلاثة آلاف جنيه من حقيبة أخته، لو كانت تعلم أن ردها المتفاخر بأنها ليست بحاجة للسرقة لأنها تقبض ستة آلاف جنيه شهريا من المركز سيورطها لاحقا في مشاكل تخص الضرائب وتصريح العمل والصحة لكانت قد اختارت ردا آخر أكثر انسحاقا، لم تكن تعلم أنها ستتحول إلى متهمة على الورق بتهمة السرقة، بينما تهمتها الحقيقية التي لم تكن تعلم أن القانون يعاقب عليها هي حرق دم وكسر نِفس العروسة أخت الباشا بنت الناس الأكابر “اللي كلهم حابين يخدموا عروسة منكسرة النِفس”.

تقول لنفسها ولمن ارتاحت لهن من شركاء ليالي التخشيبة المقبضة بحزن شديد: لو كنت أعلم ذلك كله لنظفتها بفمي وليس بيدي، لم تكن تبالغ فيما تقوله، تقسم على ذلك مرارا بكسر الميم وفتحها، فكل ما كانت ستعاني منه وقتها من قرف وأذى، لم يكن ليساوي أبدا رميتها في تخشيبة القسم “رمية المواطنين العاديين” لمدة شهر كامل دون أن يبان لها بيان، ولن يجيئ شيئا في تعرضها للتحرش والتحسيس والمسك في كل “إيريا” دون خشا ولا حياء، ولا في رؤيتها لمشاهد تعذيب لمحتجزات هددن الضابط بأنهن سيخرجن إلى الإعلام ليشتكين ما حدث لهن من تحرش، فكان جزاؤهن حفلة تعذيب لن تنساها البطلة ما عاشت، وكان جزاء رفيقاتهن في التخشيبة ـ حتى اللواتي لا علاقة لهن بالأمر مثلها ـ أن يتم إغراق أرضية الزنزانة بما عليها من مراتب وبطاطين لمدة ثلاث ليالي تكديرا لهن، وضربا للمربوطة والسايبة و”اللي مش فاهمة أصلا هي هنا بتعمل إيه”.

غرقها في أحزانها وهي جالسة دون حراك على البطانية الغرقانة، لم يفقدها أبدا إيمانها بالله، فلم تتخل عن دعائه والتوسل إليه بأن يفك كربها ويعجل لها بالفرج ويخرجها سالمة لزوجها وولديها، وهي لم تكن تتخيل أن الله سيستجيب لدعائها سريعا ويجعل حظها أفضل من كل المظلومات معها، حين ساق لها وكيل نيابة جدع جاء أجمل من أحلامها، لم تصدق صوته الغاضب عندما قال “إنتي ازاي أصلا اتحبستي كل ده في قضية بايظة؟”، كلماته الرائعة أنستها أنها جاءت بعد شهر كامل ظلت فيه مرمية في التخشيبة حيث كان يمكن أن يطول حجزها لأشهر، لولا أن تم عرضها على النيابة بعد كم مهول من الوساطات والإكراميات والمحايلات بذلها زوجها وصاحبة البيوتي سنتر لدى كل من هو مهم أو يمتلك سكة إلى “حد مهم”، لكن هذا ليس مهما، المهم أنها خرجت بالسلامة فورا، صحيح أنها تأخرت بعض الشيئ في مكتب وكيل النيابة، لأنها ظلت فترة طويلة تدعو لوكيل النيابة الذي رأت في عينيه دموعا ذكّرتها أنه كان “البني آدم” الوحيد الذي رأته منذ شهر.

لدى بطلتنا ثقة أن الله تعالى سيستجيب دعاءها لوكيل النيابة الذي أخرجها من السجن، لكن ما تتمناه أكثر أن يستجيب الله لدعائها على وكيل النيابة الذي أدخلها إلى السجن، والذي لم يكتف بكل ما جرى لها، بل قرر أن يطاردها هي وزوجها ويحاصرهما في رزقيهما، لأنهما قررا أن يرتكبا جريمة شنعاء، هي جريمة عدم تقبل الظلم والسكوت عليه، وهي جريمة حرضهما عليها المحامي الحالم الذي تابع قضيتهما والذي أقنعهما أن لديهما فرصة لكسب قضية رد اعتبار وإثبات الظلم الذي تعرضت له لتأخذ حقها من وكيل النيابة، وهو أمر لم يكن ممكنا أن يتسامح معه الباشا أخو العروسة، لأنه يمكن أن يسبب له مشاكل في عمله، خصوصا بعد أن أصبح موقفه ضعيفا بفعل الموقف الذي أخذه زميله وكيل النيابة الذي انحاز ضده ووقف مع هذه الحفافة الحقيرة التي حوّلت ليلة عمر أخته إلى ليلة مزعجة.

بطلتنا عادت لتصبح مجرد حفافة بعد أن فقدت لقب خبيرة تجميل، لسبب بسيط، هي أنها لم تجد فرصة لكسب رزقها إلا من خلال شغل البيوت في “أي إيريا” في القاهرة والجيزة وضواحيهما، بعد أن نجحت ضغوط الباشا وأخته وأصدقاء عائلتهما الكريمة في إجبار صاحبة البيوتي سنتر على الإستغناء عنها، وقد جعلها ذلك تفقد تماما الرغبة في الحصول على أي رد اعتبار أو إنصاف، لأن التهديدات التي تعرضت لها هي وزوجها من قبل بلطجية راغبين في مجاملة الباشا، أدت بها إلى أن تترك بيتها لفترة، وأن يترك زوجها التاكسي الذي يعمل عليه بعد تعرضه لسلسلة اعتداءات متلاحقة، ولذلك سحبت هي وزوجها كل بلاغات رد الإعتبار وكل أحلام الإنصاف، وفوضت أمرها هذه المرة إلى الله.

هي لم تعد تحلم الآن سوى بأن يصدق الباشا وأخته أنها وزوجها قد تعلما الدرس جيدا، وأن يوافقا على توسلاتها بأن يبلغ صاحبة البيوتي سنتر بعدم ممانعته لعودتها إلى العمل، فقد زهقت من اللف على البيوت والفصال المرهق وتحمل تحرشات رجال البيوت، هي تحن بشدة إلى لقب (خبيرة ميك أب) الذي فقدته لأنها لم تدرك حقيقة بسيطة جدا يجب أن تضعها أمامها كل من تحلم بالحفاظ على لقب خبيرة تجميل مدى الحياة: “في هذه البلد، لا ترفضي أبدا تنظيف أي إيريا قبل أن تسألي عن شجرة عائلة صاحبتها”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:أخبارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.