بلال فضل يكتب| فلاش باك

بلال-فضل

شوفوا لكم حل معى، لأننى لا أريد أن أؤمن أبدا أن سوء الظن من حسن الفطن، ولذلك هرعت أمس الأول لكى أشاهد اللقاء الذى حاور فيه التليفزيون العسكرى كلا من اللواءين محمد العصار ومحمود حجازى عضوى المجلس العسكرى، تخيلوا أننى بعد كل ما حدث للبلاد والعباد، كان لدى أمل فى أن أرى لقاء يحترم عقول الناس لكى نخلص من النفق المظلم الذى ندخله بإصرار، كنت متعطشا لأى قرارات ترتقى إلى مستوى الحدث لكننى فوجئت بأن عقلية الإنكار لازالت سيد الموقف دون أن يدرك أحد أنها تشكل خطورة على مصر. تخيلوا أننى من فرط سذاجتى كنت أظن أن اللقاء سيطلع على الناس بقرارات تعلن إحالة ضباط شرطة وجيش إلى المحاكمة العسكرية لأنهم ارتكبوا انتهاكات بحق الإنسان شاهدها الملايين فى العالم، لكى يتأكد أن ما شاهدناه كان تصرفات فردية وليس بناء على أوامر، لكن اللواء العصار اكتفى بإعلان أسفه لما حدث بكلمات عمومية تشبه ما قاله عقب مذبحة ماسبيرو، ليتضح أنه يشغل الآن منصبا جديدا هو مساعد المشير طنطاوى لشئون الأسف، فقط لأن أحدا ما فى المجلس العسكرى يتصور أن الأسف إذا جاء على لسان المشير طنطاوى شخصيا سيقلل من مكانته وهيبته، وهو ما يعد استمرارا غريبا للطريقة التى كان يفكر بها مبارك الذى يبدو أنه لم يكن وحده الحاصل على «دكتوراه فى العِند».

لم يدم مفعول أسف اللواء العصار طويلا، فقد جاء اللواء منصور العيسوى وزير الداخلية الذى كنا نحسبه مستقيلا والله حسيبه، لكنه دخل على هواء القناة الأولى الملوث بالغاز لينسف ذلك الأسف على الفور، الرجل الذى فرحنا فى البداية بأنه مثقف ثم اتضح أن ثقافته لعنة على مصر وعلينا، لأنه على ما يبدو يؤمن بالفلسفة العدمية، فهو كلما تسببت وزارة الداخلية فى مجزرة خرج ليؤكد عدم وجودها أصلا، فى السابق قال إنه لا يوجد قناصة من أساسه فى وزارة الداخلية، وهذه المرة نفى أن الداخلية أطلقت أصلا على المتظاهرين الرصاص الحى أو الخرطوش وكل ما فعلته هو إطلاق الغاز، ولم يقل له المذيعان إن اللواء العصار كان لتوه قد اعتذر للشعب المصرى عما حدث فى شارع محمد محمود، سبحان الله، ربك كريم ولا يرضى بأن تضيع دماء الشهداء والجرحى أونطة ولذلك ساق العيسوى ليتحدث فى هذا التوقيت بالذات دون أن يدرك أنه أبطل مفعول اعتذار العصار الذى كان يعلق المجلس عليه الكثير من الآمال، فكيف أصدق أنك جاد فى اعتذارك وأنت تحتفظ بوزير داخلية ينكر أنك فعلت ما يستوجب الاعتذار من أساسه.

الأسف هذه المرة سيأتى منى أنا، لأننى تمسكت بحسن الظن أملا فى صلاح الأحوال، كنت أظن أن أحدا ما فى المجلس العسكرى والاجهزة الأمنية المعاونة له سيكون لديه من الحصافة ما يجعله يضحى بأفراد لكى ينقذ البلاد، لكن الجميع صمم على التجاهل والإنكار لكل تفاصيل المشهد الذى يخزق وضوحه عين الشمس. كنت أتمنى أن ينهر اللواءان مسئولى التليفزيون لإصرارهم على التركيز على صور لأطفال يرشقون الداخلية بالحجارة لتسفيه ما يجرى، كنت أتمنى أن يستنكرا تركيز التليفزيون على صور بعض المواطنين البسطاء المرهقين الذين دمر نظام مبارك صحتهم لإيصال رسالة ذات مغزى إلى الجمهور الذى سيخرج باستنتاجات طبقية بأن من يشاهدهم هم بلطجية لأنهم لا يشبهون شباب الفيس بوك ذوى الخدود المتوردة. كنت أتمنى أن يجلس أعضاء المجلس العسكرى لكى يتأملوا جيدا فى صور وجوه قادة الموجة الثانية من الثورة والتى تنقلها لهم الأجهزة الأمنية أولا بأول كما أظن، ليدركوا أنهم يواجهون الآن نوعية جديدة من الثوار ليس لهم منظرون ولا نخب ولا قعور مجالس، يواجهون الضحايا الحقيقيين لستين عاما من حكم العسكر، يواجهون أناسا ليس لديهم ما يخسرونه، يواجهون أناسا لا يخافون الموت لأنهم فى الأصل مدفونون بالحيا، ومواجهة أمثال هؤلاء لن تكون باللقاءات المعسولة فى القاعات المكيفة ولا بقنابل الغاز والرصاص الحى، بل ستكون بطريق واحد لا شريك له: التغيير الجذرى الشامل والفورى.

كنت أنتظر من اللواءين العصار وحجازى أن يشتما مسئولى التليفزيون المصرى لأنه كرر عرض ذلك الفيديو المخجل للبؤساء الأجانب الثلاثة الذين وقفوا مذعورين وقد حملوا ما قيل إنه زجاجات مولوتوف، كنت أتوقع أن يقولا لهم: عيب انتو كده بتهزأونا عندما تلوحون للملايين أن ثلاثة مراهقين يمكن أن يقنعوا الآلاف بالثورة علينا. كنت أتوقع أن يوجهوا اعتذارا جادا لكل الأجانب المقيمين فى مصر أو الذين يفكرون فى زيارتها عن هذه الحركة النص كم التى لا يكف جهابذة أمن الدولة عن اتباعها، ويتذكروا أن ما حدث لهؤلاء البؤساء الذين اتضح أنهم طلبة فى الجامعة الأمريكية نزلوا لكى يتفرجوا على ما ظنوه حدثا تاريخيا، يمكن أن يحدث لأى مواطن مصرى يتفرج على أى مظاهرة فى أى مدينة فى العالم، لا أدرى هل يحب أعضاء المجلس العسكرى وهم يسافرون كثيرا إلى العواصم الغربية أن يتم القبض عليهم إذا مروا صدفة بجوار مظاهرة لتتم معاملتهم بمثل ما نعامل به الأجانب الذين اتخبطوا فى نافوخهم وقرروا حضور مظاهراتنا، بالطبع لأ اعنى بهذا الكلام منح حصانة لكل أجنبى قد يوزه شيطانه لكى يشارك فى التخريب، بالعكس علينا أن نقدمه إلى العدالة بصحبة دلائل قاطعة تثبت اشتراكه فى التخريب، وبعد أن يحظى بتحقيق عادل بحضور محامين، ودون أن يتم انتهاك حقوقه القانونية بتصويره بهذا الشكل الذى تعودنا أن نتعامل به مع مواطنينا الذين لا يعرفون حقوقهم ولا يحرصون عليها، لا أدرى هل يدرك عضوا المجلس العسكرى أن موافقتهما على عرض تلك الصور الفضيحة أثناء حديثهما يمكن أن يشكل ضربة قاصمة إضافية للسياحة خاصة أن الصور التى صورها أذكياء الداخلية تناقلتها محطات التليفزيون فى أنحاء العالم.

تبقى الحسنة الوحيدة فى لقاء اللواءين العصار وحجازى من وجهة نظرى أنه أكد لى إدراكا يتعاظم يوما بعد يوم هو أن ما يحدث الآن فى شوارع مصر يعكس صراعا خفيا شرسا داخل هرم السلطة، لأنه طبقا لقانون وحدة الخطأ المعروف فيزيائيا، لا يمكن أن ينتج كل هذا الارتباك والتشوش والتخبط عن رؤية موحدة حتى لو كانت رؤية خاطئة، ولو قرأت كتب التاريخ ستجد أن صراعا مثل هذا فى ظروف مثل هذه ينتج دائما عن حلم شخص ما فى أروقة السلطة بأن يكون طاغية جديدا يكتسب شرعيته بإنهاء الفوضى العارمة التى تحدث عقب الثورات، وهو حلم أعتقد أنه سيتبدد لو كان لدى ذلك الطاغية المرتقب أى قناة تليفزيونية تبث صورا مباشرة لما يحدث فى ميادين التحرير.

يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف.

(نشرت هذه السطور فى صحيفة التحرير بتاريخ 25 نوفمبر 2011)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.