بلال فضل يكتب | فيلم وثائقي عن حروب أمريكا القذرة

بلال فضل يكتب | فيلم وثائقي عن حروب أمريكا القذرة

بلال

كلّما شاهدت فيلمًا شبيهًا بهذا الفيلم الجريء والخطير، أجدني أقول لنفسي متحسرًا وحزينًا: “هذا بالضبط ما أريده لا أكثر ولا أقل في بلادنا العربية، لست أحمق لكي أتصور أنني يمكن أن أعيش في بلد يختفي فيه الشر تمامًا. لكنني أريد أن أعيش في بلد حتى لو ارتكب ساسته الشر، يكون من حقي كمواطن أن أقاوم هذا الشر باستخدام حريتي في التعبير والرفض دون أن يتمّ قتلي في حادث غامض أو الزجّ بي في السجن، لست أتصوّر أنني يمكن أن أنهي الشر من الوجود، لكنني لا أريد أن أتعرض للإنهاء وأنا أسعى لإنهاء الشر من الوجود”.

أن تشاهد فيلم (حروب قذرة) في أي مكان في العالم كوم، وأن تشاهده في قلب نيويورك كوم آخر، فأنت بصدد فيلم وثائقي لا يحكي قصة خيالية تنتظر إعجابك بطريقة سردها، ولا يقدم هجائيات خطابية عن جرائم المؤسسة العسكرية الأمريكية، بل يعرض بالصوت والصورة الجرائم التي ارتكبتها القوات الأمريكية باسم مكافحة الإرهاب خصوصًا جرائم الضربات الجوية التي توجهها الطائرات بدون طيار، ويلتقي بضحايا تلك الضربات حول العالم من اليمن إلى أفغانستان إلى الصومال إلى العراق، ويطارد المتسببين فيها في قلب الولايات المتحدة وخارجها.

بببب

وبرغم كلّ ذلك، لم يتم منعه من العرض في قلب مهرجان نيويورك للأفلام التسجيلية، بل وصلَ إلى القائمة النهائية للأفلام المتنافسة على جائزة أوسكار أحسن فيلم وثائقي طويل، وحصل أيضًا على الجائزة الكبرى في مهرجان بوسطن للأفلام المستقلة، وجائزة أفضل فيلم وثائقي من مهرجان وارسو الدولي، وجائزة أفضل تصوير في مهرجان ساندانس الشهير الذي نافس فيه أيضًا على جائزة أفضل فيلم وثائقي، ونافسَ على جائزة أحسن سيناريو لفيلم وثائقي في مهرجان اتحاد كتّاب أمريكا.

كما حصل من مهرجان ليتل روك على جائزة أفضل فيلم وثائقي بالإضافة إلى جائزة خاصة تمنح لمن يظهرون الشجاعة الفائقة في صنع الأفلام، وهي جائزة قلّما تنطبق على أية أفلام سينمائية بقدر ما تنطبق على هذا الفيلم وعلى صانعيه المخرج ريك راولي والسيناريست ديفيد رايكر الذي شارك في كتابة السيناريو مع جيريمي سكاهيل مؤلف كتاب (حروب قذرة: العالم ميدانًا للمعركة) المأخوذ عنه الكتاب، والذي لعب أيضًا بطولة الفيلم، وهي بطولة ليست فقط بالمعنى السينمائي، بل وبالمعنى الإنساني أيضًا، لأنه ليس من السهل أبدًا أن تأخذ على عاتقك مهمة البحث عن الحقيقة دون أن تخشى اتهامك بمساندة الإرهاب الذي يهدّد بلادك، ودون أن تفقد إنسانيتك التي ترفض إيقاع العقاب الجماعي على الأبرياء، ودون أن تيأس من تذكير أبناء وطنك بأن مكافحة الإرهاب بعشوائية وبدون أداء حذر يتميز بالوعي لن تفعل شيئًا سوى المزيد من صناعة الإرهاب.

ككك

تقدّم لنا المشاهد الأولى من الفيلم جريمي سكاهيل داخل العاصمة الأفغانية كابول وهو يستعد لخوض مغامرة خطيرة قد تكلّفه حياته إذا وقع في قبضة قوات طالبان التي تمتلك السيطرة على الطرق ليلًا، وتتركها للقوات الحكومية نهارًا، وهي مغامرة الذهاب إلى قرية أفغانية تعرضت لضربة جوية من طائرة بدون طيار أدّت إلى قتل عشرات الضحايا خلال حفل زفاف تعامل معه الأمريكان على أنّه تجمّع لحركة طالبان الحليفة لتنظيم القاعدة، لترينا الكاميرا لوعة أهالي القتلى على فقدان أبنائهم الذين لم تكن لديهم أي صلة بطالبان، لدرجة أن واحدًا من القتلى كان ضابط شرطة تلقى تدريبه على أيدي القوات الأمريكية، وحصل على شهادات تقدير بسبب تفوقه، ووسط صراخ أبيه وأمه وهما يريان الكاميرا صور ابنهما مع الضباط الأمريكان خلال تدريبه وعمله، فيكتشف المشاهد الأمريكي أن ضحايا الضربة الجوية التي تعامل معهم المسؤولون الأمريكان ببرود شديد بوصفهم (أضرارًا جانبية)، تحول محبوهم إلى أعداء لأمريكا لا يمانعون إطلاقًا من الثأر منها، ولا يمكن أن يبذلوا أي استعداد لمقاومة حركة طالبان التي كانوا قبل تلك الضربة أعداءا لها.

ويكشف الفيلم أنّ القيادة العسكرية الأمريكية في أفغانستان بعد أن تسربت أخبار مجزرة حفل الزفاف إلى الصحف، وأثارت ضجة سياسية، ظنّت أن الأمر يمكن أن يمرّ بسلام لو زار مسؤول عسكري القرية وحاول ترضية سكانها، وهو الخيط الذي يلتقطه جيريمي سكاهيل عندما يقوم بالتركيز على صورة هذا المسؤول العسكري، ويبدأ في البحث عنه طيلة الفيلم لعله يساعد في تقديمه إلى العدالة، ليتلقى تهديدًا جاءه من مسئول عسكري يطالبه بالتوقف عما يفعله، لكنه قام بتصعيد الأمر وظهر في عدد من وسائل الإعلام الأمريكية، للحديث عن التهديد الذي تلقاه، ليثير حديثه ضجة إعلامية كفلت له أن يكمل فيلمه حتى النهاية.

بدأ سكاهيل العمل على الفيلم في أوائل عام 2010، عندما سافر إلى افغانستان مع صديقه المخرج ريك رولي الذي كان يعمل معه في بغداد قبل ذلك، والتي كان سكاهيل قد أنجز فيها في 2008 كتابه الأول عن منظمة بلاك ووتر التي كان رجالها يعملون كقتلة بالأجر لحساب الجيش الأمريكي، وقد حاز الكتاب مرتبة متقدمة في قائمة نيويورك تايمز للأعلى مبيعًا، خصوصًا عندما كشف فضيحة استعانة الحكومة الامريكية بمرتزقة بلاك ووتر لأول مرة داخل أمريكا عقب اعصار كاترينا، وهو ما أدى إلى فتح تحقيقات في الكونجرس ووزارة الأمن الداخلي الأمريكي.

عند سفر الاثنين إلى أفغانستان، كان ريك رولي يريد عمل فيلم عن أفغانستان، بينما كان سكاهيل يبحث عن مادة لتقرير حول تأثيرات سياسة أوباما الخارجية على الأرض، لكن اكتشافهما لواقعة قصف حفل الزفاف، هو الذي قادهما إلى فكرة الفيلم ليبدآ العمل فيه على الفور.

يذهب الفيلم من أفغانستان إلى اليمن لكي يقدّم بشكل موثق وبتصاعد دراميّ مدهش كيف قامت الولايات المتحدة ولأول مرة بتوجيه الضربات الجوية الخاطفة لقتل مواطن أمريكي ضاربة عرض الحائط بكل المحاذير القانونية التي تمنع قتل مواطن أمريكي دون محاكمة، والمدهش أنّ المواطن الذي تبنّى الفيلم قضيته بتعاطف شديد لم يكن سوى الداعية الأمريكي من أصل يمنيّ أنور العولقي الذي تم اعتباره واحدًا من أخطر المطلوبين على قوائم الإرهابيين في السنوات الأخيرة.

يقدّم الفيلم قراءة مذهلة في رحلة أنور العولقي من داعية متسامح بشوش محبوب إلى إرهابي هارب في جبال اليمن، كاشفًا أنّ أهم أسباب تحول العولقي إلى التطرف كان تشدّد قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي في التعامل مع المسلمين والعرب بعد أحداث 11 سبتمبر التي كان العولقي رافضًا قويًّا لها، لكن لهجته تغيرت بعد أن تزايدت المضايقات التي يلقاها العرب والمسلمون ليس فقط من المواطنين المتشددين، بل من أجهزة الدولة الأمريكية، لينتهي به المطاف هاربًا خارج أمريكا ثم قتيلًا بفعل طائراتها، ليس هو فقط بل وابنه الصغير الذي راح ضحية غارة جوية طائشة أطاحت بمجموعة من الأطفال الأبرياء يعرض الفيلم صورهم المفزعة مقدمًا لقاءات محزنة جدًّا مع من بقي حيًّا من أسرهم، دون أن يخشى من محاكمته بالتعاطف مع إرهابيين أو تقديمه صورًا يمكن أن تؤدي إلى التحريض على ضباط الجيش الأمريكي الذين يقامون الإرهاب.

ونكمل غدًا، بإذن الله.

 

 

المصدر:التقرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.