بلال فضل يكتب| ما صدقنا تهدا!

بلال-فضل

استخرج الخطأ من الفقرة التالية التى قالها اللواء سماح قنديل محافظ بور سعيد لخطباء وأئمة مساجد محافظته: «أقسم أنه من سيخالف هذا الكلام لن يجد إلا أشد صفعة على وشه بكل ما تحتويه الكلمة من معنى، يعنى من يخالف كلامى هيتحاسب وهيتحاكم وهيترمى وأى حاجة يتخيلها هاعملها، البلد فيها مشاكل وما صدقنا تهدا».

بسم الله الرحمن الرحيم، إذا كانت إجابتك أن خطأ المحافظ يكمن فى تهديده الخطباء والأئمة بالصفع على الوجه، فهى للأسف ليست الإجابة النموذجية، لأن أحد المشايخ المرصوصين أمامه فى الفيديو الذى نشرته صحيفة (المصرى اليوم) يصل إلينا صوته وهو يقول «توكلنا على الله»، ومع أننا لم نفهم هل كان فضيلته يقصد «توكلنا على الله هنتصفع» أم «توكلنا على الله هيتعمل فينا أى حاجة تتخيلها»؟، إلا أننا لم نسمع منه أو من بقية المشايخ عبارات رفض واستنكار تذكر المحافظ بقصة مقولة عمر بن الخطاب «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا»، وهى القصة التى لا يوجد خطيب إلا ورواها مليون مرة فى حياته للتدليل على عدل الإسلام، لذلك يظل استنكار الصفع مسئولية كل مصفوع، خاصة وقد علمتنا التجارب أن من يصفعه المحافظ تزداد فرصته فى الحصول على شقة من شقق المحافظة، لو قرر عدم «عمل سياح فى الجرايد».

ستكون إجابتك مثالية لو أدركت أن خطأ المحافظ يكمن فى جملة «وما صدقنا تهدا» التى تصلح كنموذج للطريقة التى يفكر بها كثير من أفراد سلطة اللواءات فى التعامل مع أوضاع البلد والتى يمكن تلخيصها فى الآتى: «حصل فى البلد مطلع 2011 أحداث تقول الأجهزة الأمنية السيادية إنها مؤامرة خارجية، ويقول البعض إنها مؤامرة استغلت أخطاء ابتعاد سيادة الرئيس الأسبق مبارك عن العسكريين واعتماده على المدنيين الذين خربوا البلد، ويرى البعض أنها ثورة شعبية حماها الجيش واستغلها المخربون والغوغاء، وأيا كان ما حدث لن نختلف، كل ما فى الأمر أن الموضوع خلاص انتهى، والبلد هدأت وكل من يفكر فى زعزعة هذا الهدوء سنفعل معه أى حاجة تتخيلها من أجل مصلحة الوطن».

لن أسألك عن الذى كان سيحدث فى البلاد لو كان قيادى إخوانى قد أطلق هذا التهديد بالصفع، أى مناحة كانت ستنصب فى البلاد حتى تتم إقالته، ولن أسألك لماذا لم تنصب نفس المناحة عندما قام محافظ البحيرة قبل شهرين بصفع عامل نظافة لأنه حصل على تفاحة من مواطن، مثلما حدثت مناحة عندما تم إطلاق الكلاب البوليسية على المتظاهرين الذين حاصروا محافظ كفر الشيخ الإخوانى السابق، لن أسألك عن هذا فأنت أصبحت تعلم أن كرامة المواطن تخضع لشريعة «الخيار والفاقوس» مثل العدالة ومثل حرية الإعلام ومثل حرمة الدم، فكل هذه ليست سوى أوراق كلينكس نستخدمها عندما توافق مصالحنا، ونبصق فيها عندما لا تكون على كيفنا.

ليس عندى أدنى شك أن اللواء المحافظ كان يقول كلماته بحماس وهو يستحضر فى داخله ثقل أعباء منصبه، وليس عندى أدنى شك أن هناك كثيرين لو قال لهم المحافظ تهديده سيكون ردهم أيضا «توكلنا على الله»، خاصة إذا كانوا من أنصار مدرسة «إحنا مانجيش غير بكده»، ولكن كل هذا لا يقلقنى بقدر ما يقلقنى اليقين الذى قال به اللواء المحافظ: «وما صدقنا البلد تهدا»، أعلم أنه قالها قبل كل ما حدث فى محمد محمود وسيناء، لكن يبقى مع ذلك أن نسأل: هل كانت البلد هادئة قبل ذلك، وهل ستكون هادئة بعده، وهل هناك أى قرار يدعو للهدوء تم اتخاذه منذ لحظة التفويض الميمونة؟، وهل ما نقرأه عن التقارير الأمنية التى تؤكد أن ما جرى منذ 25 يناير لم يكن سوى مؤامرة خارجية سيساعد سلطة اللواءات على تهدئة البلاد؟، ومتى يدرك الجميع فى هذه البلاد حكاما ومحكومين أن الوضع فى مصر أعقد وأخطر من الانشغال بتفاهات هل كانت 25 يناير ثورة أم مؤامرة وهل كان 30 يونيو ثورة أم انقلابا؟، لأننا أمام بلد منكوب بحكامه ومحكوميه، فهو ما إن بدأ يتعافى من آثار هزيمته ويسترد أنفاسه بعد نصر 73، حتى بدأت حملات النهب المنظم لتجريف ثرواته البشرية والمادية والتى ثار فى 2011 لإيقافها، حالما بأن يضع قدميه على أول الطريق إلى المستقبل، وها أنتم تريدون له الآن أن يصنع نسخة أخرى من ماضيه المشوه.

للأسف، «ما صدقنا تهدا» ليست جملة عابرة بل هى عقلية راسخة فى تفكيرنا السلطوى، كان يفكر بها عبقرى آخر هو الذى أخذ قرار بناء نصب تذكارى فى ميدان التحرير يذكر الضحايا بأن قتلتهم لا زالوا دون عقاب، وعبقرى آخر قرر أن يكتب بيان الداخلية الذى يوجه التحية لشهداء محمد محمود وبالمرة يقوم بتحميل مسئولية دمائهم هم وسابقيهم ولاحقيهم للإخوان مفترضا أن من كانوا إلى جوارهم وهم يقتلون برصاص الداخلية وقتها إما قتلوا برصاص الداخلية أيام كانت تقتل من أجل مرسى أو هاجروا أو فقدوا ذاكرتهم أو فقدوا شرفهم.

العباقرة إياهم فكروا بنفس المنطق الذى فكر به من جلسوا على نفس مقاعدهم منذ الخمسينيات وإنت نازل ومتدحدر: «الموضوع خلص والإخوان شالوا الليلة فيالله بالمرة نقفل الملفات دى كلها، وأهو نصب تذكارى على كلمتين حلوين على التعويضات اللى اتدفعت وكل سنة وانت طيب وخلينا نبص لقدام بقى واللى مش هيعجبه الكلام هيبقى إما إخوان أو شيوعيين أو طابور خامس أمريكى اسرائيلي». تخيل لو كنت قلت لك منذ أسبوع أن تركيبة «إخوان وشيوعيين» التى ظلت متداولة لتوصيف العدو الداخلى طيلة عهدى عبد الناصر والسادات ستعود ثانية للظهور، كنت ستسخر منى بالتأكيد، لكن آديها ظهرت فى صحيفة الدولة الرسمية على لسان مصدر مسئول معلقا على هدم متظاهرين للنصب التذكارى الذى لم يكن أحد سيقترب منه لو كانت الحكومة قد تذكرت خطورة النصب باسم الشهداء، وقررت أن تسمى كتلتها الخرا.. سانية القبيحة «نصب ما صدقنا تهدا».

ستهدأ بالعدل يا سادة، والله لن تهدأ بغير العدل، وإلا كان غيركم أشطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.