بلال فضل يكتب | معالم في طريق الكتابة.. أو ثرثرة لا مندوحة عنها!

بلال فضل يكتب | معالم في طريق الكتابة.. أو ثرثرة لا مندوحة عنها!

بلال-فضل

مقاطع من رسائل إلى كاتب “أشبب” تورّط وطلب مني النصيحة

أنا آسف جدًّا على شتائمي السابقة التي يبررها ما بيننا من عشم، لكنني بصراحة لم أفهم من أين أتيت بافتراضك أن الكاتب ينبغي أن يكون لديه أصلًا ثقة بنفسه أو بما يكتبه، ولا كيف تصورت أن الثقة يمكن أن تجتمع مع الكتابة؟ فرأيي بما أنك طلبته: ربما تكون الثقة صفة تليق بواعظ يحدث الناس عن يقين الآخرة، أو مهندس يشرف على تسليم عمارة سكنية لا ينبغي أن تسقط قبل نصف قرن، أو جراح لم يُعرف عنه أبدًا أنه نسي مقصًّا داخل بطن مريض، أما الكتابة فقد خُلقت لكي تجتمع مع الشك والحيرة والتردد والارتباك والاضطراب وما شئت من سائر المرادفات المناقضة للثقة.

بدا لي من هواجسك الطافحة من سطور رسالتك أنّك تشغل بالك كثيرًا بإيجاد ضمانة تحميك من شر الخرف السياسي والفكري في مراحل عمرك القادمة، وهو أمر ربما أعذرك فيه بسبب هول ما تراه الآن من مواقف يتخذها كبار المبدعين الذين أحببتهم تتناقض مع ما عاشوا عمرهم من أجله، لكنني لم أفهم ما علاقتك أنت أصلًا بمواقف هؤلاء؟ ولماذا تشغل بالك بهم أصلًا أكثر من انشغالك بنفسك؟

إذا بدا لي كلامك متعاليًا، فتذكر أنني منعت نفسي بصعوبة من لعب دور كبير السن “المختال بحكمته” على من هو “أشبب” منه، فلم أقل لك مثلًا: “اتنيل على عينك مش لما يبان لك أمارة الأول في الحاضر لكي تفكر في مستقبلك”، لم أقل ذلك لأنني احترمت فيك حرصك على تأمين موقعك من التاريخ، وهو حق مشروع ليس من حق أحد أن يصادره عليك، ومع ذلك فإنّ رأيي الذي لن يعجبك كما أظن، هو أن ما ستتركه خلفك من إبداع سيكون في المستقبل أهم من مواقفك ومن شخصك.

سيكون أمرًا رائعًا طبعًا إذا حرصت على أن تكون مواقفك وسيرتك متسقة مع إبداعك، سيشكرك ورثتك على ذلك وهم يقرأون ثناء المتخصصين من الأجيال المقبلة على ذلك الاتساق العظيم بين المبدع وإبداعه، لكن المؤكد أن أحدًا لن يتذكر مواقفك أو يهتم بها أصلًا إلا إذا تركت خلفك إبداعًا يتذكره أحد، ولن يتحقق ذلك بكونك موهوبًا فقط، فكم من موهوبين أضاعوا موهبتهم هباءً منثورًا بعدم أخذها بجدية وإدراك أن أخذها كأمر مسلم به يسبب نسبة لا يستهان بها من قدرة غدر الزمان على الفتك بأصحاب المواهب إن كانوا بالفعل أصحاب مواهب.

أصبحت أرى من تكرّر اللّكّ في رسائلك السابقة أن مشكلتك الرئيسة تكمن في اعتقادك أن بقاءك من عدمه يتوقف على آراء من حولك فيك وعلى اعترافهم بموهبتك، والحقيقة أن اعتراف من حولك بك سواء كانوا كتّابًا أم قرّاءً أمر جميل ومهم، ويكذب من يقول لك إنه لا يسعده ولا يرضيه، لكن غيابه أو وجوده ليس الدليل الأكيد على وجود موهبة لديك، فكم من كتّاب لمعوا وانتشروا سريعًا ثم انطفأوا واندثروا أسرع، وكم من كتّاب ماتوا دون أن يعترف بهم أحد، ولم يجدوا طريقهم إلى التأثير والانتشار إلا بعد سنين طويلة من وفاتهم.

لا أظن أنك ستحب كثيرا تذكيرك بأمثلة مثل فرديناند بيسوا وفرانز كافكا وآرثر رامبو وغيرهم من الذين طفحوا الكوتة في حياتهم ونالوا الخلود بعد موتهم، فمن حقّك أن تطمع في ما ناله مثلًا تولستوي وشكسبير ونجيب محفوظ وماركيز من دلع الزمان الوفير، لكن المشكلة أن رغبتك الشخصية مهما كانت صادقة لن تكفل لك وحدها مصيرك، وللأمانة لا أدري أصلًا ما الذي يمكن أن يحدد لك مصيرك أو مصيري، ولو قال لك أحد إنه يدري فاقطع علاقتك به فورًا؛ لأنه إما كذاب أو جاهل أو نصاب أو طمعان فيك بما يخالف شرع الله.

كل ما يمكن قوله إن ما تواتر بين السابقين والمعاصرين ولا أظنه سيتغير بين اللاحقين، إن مصير المبدع لا يحدده أبدًا رأي الآخرين فيه، بقدر ما يحدده إصراره على أن يطارد أحلامه، وأن يسعى لتطوير نفسه وحماية موهبته مما يفسدها. أتذكر هنا عبارة سمعتها من الفنان الكبير عادل إمام في حوار أجريته معه قبل 15 سنة، وكنا نتحدث يومها عن علاقته بفنان كبير آخر هو عبد الحليم حافظ وقدرة كلّ منهما على الاستمرار في النجاح والتأثير، العبارة تقول: “الفنان وحده يحمل داخله عوامل بقائه أو فنائه”، وهي عبارة مهمة أتمنى أن تتأملها بغض النظر عن رأيك في مشوار عادل إمام الفني الذي لن يفرق معه كثيرًا، فضلًا عن أن مناقشته ليست مجال حديثنا الآن.

قليلون جدًّا في تاريخ الأدب والفن الذين ولدوا عباقرة من أول عمل قاموا به، وكثيرون من الذين ولدوا عباقرة لم يكملوا نجاحهم كما كان مأمولًا منهم، وكثيرون من الذين انضربوا بالصُرم القديمة في بداية مشوارهم أو تعرضوا للاتهام بأنهم مجرد “مديوكر”، تحولوا إلى عباقرة بعد ذلك حين اشتغلوا على أنفسهم ولم “يشتغلوا” أنفسهم، وعرفوا أن كل شيء يبدأ وينتهي داخل بيتك الذي هو دماغك وروحك ووجدانك. دعنا نتخيل مثلًا لو كان نجيب محفوظ -وهو عندي سيد أدباء الإنسانية دون منازع- قد تأثر بكلام من طلبوا منه أن يركز في الكتابة الفلسفية بعد أن قرأوا رواياته الأولى باهتة الحضور التي تحدثت عن تاريخ مصر الفرعونية.

تخيل مثلًا لو كان فيودور ديستويفسكي -وهو ثاني أديب لا أتصور الحياة بدون أدبه بعد محفوظ- قد تأثر بكلام من سلقوا رواياته الأولى بألسنة حداد، قائلين عنه كلامًا مريعًا نقل بعض نصوصه المترجم القدير سامي الدروبي في مقدمات تلك الروايات، ومن المؤكد أنّك بعد قراءته ستستغرب من قدرة ديستويفسكي على الاستمرار في الكتابة دون أن يفشخه ذلك الكلام، لو كان طريًّا منشغلًا بآراء الآخرين فيه، أكثر من انشغاله بما يريد أن يقوله، على العكس ربما كانت الآراء التي هاجمت نجيب وفيودور في ذلك الوقت المبكر دافعًا أقوى لكي يعاندوا أيامهم ويطاردوا أحلامهم، حتى لو لم يكن أحد يراها غيرهم، وحتى لو لم يكونوا هم أصلًا يرونها بشكل واضح.

هل أنت محتاج إلى أن أذكرك أن الأمور نسبية، وأنه لن يصبح أي كاتب بمكانة نجيب أو فيودور أو غيرهما لمجرد أنه ظل يطارد أحلامه، محمد جلال ويوسف القعيد مثلًا ظل لديهما الدأب والإصرار لإصدار رواية كل سنة، ولم ينُبهم وينُبنا سوى التنقل من رداءة لرداءة، ومع ذلك فنسبية الأمور لا تنفي أنه بنسبة كبيرة جدًّا ومجربة أيضًا، يظل عدم الانشغال بما هو خارجك أفضل بكثير من الانشغال به، فلن ينفعك ولن يضرك أحد بقدر ما ستنفعك أو ستضرك إدارتك لحياتك وسيطرتك على جموح نفسك أو خمولها، مع ضرورة التأكيد على أن تلك الإدارة والسيطرة لن تمنع أبدًا إمكانية رشق مركبك في صخرة وغرقها، لكن حدوث ذلك بعد أن اجتهدت وحاولت، سيجعلك تؤدي أداءً شامخًا يشبه أداء قبطان سفينة تايتانيك حين أدركه الغرق، وتترك ذكرًا طيبًا كالذي تركه عازفو تايتانيك الذين قاموا الغرق بالمزيد من العزف الذي لا يهتم به أحد.

صدقني أو (إن شالله عنك ما صدقتني)، كثر الحزن يعلم البكاء، وسنوات الكتابة ستعلمك -مبكرًا إن كنت محظوظًا- أن إرضاء كل الناس غاية لا تدرك، وأن إرضاء الكثير من الناس قد يضللك ويجعلك عبدًا لذلك الرضا، ويحولك من كاتب إلى مندوب مبيعات أو مقدم لبرنامج (ما يطلبه المستمعون)، لذلك لا تدمن الاستماع لمن يطريك ولا تجزع من الاستماع لمن يلعنك، والأهم أن تتذكر دائمًا أن الكتابة ليست سوى تقليب دائم في تربة الحياة، فأنا لا أميل كثيرًا إلى من يتعاملون مع الكتابة على أنّها زراعة مضمونة الثمار، فالزرعة التي لايزرعها القارئ لنفسه بنفسه لا يمكن أن تعيش أبدًا، والمسألة مسألة وقت، فأنت في بداية حياتك تحب الكاتب الذي يقول لك ما تحب أن تسمعه، ويمكن أن تظل كذلك حتى نهاية عمرك، لكنك لو لم تغير ذلك “الأتيتيود” في وقت ما من حياتك، ستفتقد كثيرا متعة الارتباط بكتاب يلعبون في دماغك ويقلبون تربة أفكارك ويستفزون تفكيرك ويجعلونك تعيش متعة وعذاب امتلاك العقل النقدي الذي يؤمن بمقولة نجيب محفوظ الخالدة: “الحقيقة بحث وليست وصولًا”.

للأسف الشديد، شعرت أن كل ما سبق أن كتبته لك في رسائلي السابقة لم يُجد نفعًا في إقناعك بأن “تبص في ورقتك” وتركز فيما تفعله أكثر من انشغالك بردود الأفعال عليه من كل من هب ودب، لذلك بدا لي أن استخدام مثل عملي يمكن أن يكون مفيدًا أكثر في إيصال فكرتي البسيطة إلى مخك الذي تمنعني مودتك من وصفه بـ “الضِلِم”. شوف يا سيدي، لأنني أعلم محبتك لأدب عمنا بهاء طاهر عمومًا وخصوصًا لمجموعته القصصية الرائعة: (بالأمس حلمت بك)، قررت أن أشركك في نقد كتبته مواطنة اختارت لنفسها اسم (زهرة أندلسية) في صفحة إنترنت مهتمة بالكتب وواسعة الانتشار، قالت فيه بالنص: “القصص إما عميقة جدًّا لدرجة إنها ما تتفهمش، أو سطحية جدًّا لدرجة إنك تندم على قراءتها، النهايات المفتوحة لم تعجبني، ولم يعجبني أسلوب الراوي العليم في تلك القصص، ولا أسلوب السرد لأن تطويل الوصف زيادة عن اللزوم يفسد النص”، وقد لقي تعليقها استحسان العديد من متابعي الصفحة الذين يعتبرونها ناقدة رائعة ويأخذون دائمًا رأيها نبراسًا لما يقرأونه بسبب ثقافتها الواسعة وذوقها الرفيع الذي يتبارون في الإشادة به.

أقول لك هذا، لعلك إن وجدت نفسك تفكر وأنت تكتب في رد فعل القارئ الذي لا تعرفه، وتسأل أين سيكون موقع كتابتك من هواه، تتذكر مصير بهاء طاهر الذي لم يرزقه الله رضا (زهرة أندلسية) وجعلها سببًا في انصراف عدد لا بأس به من القراء عن أدبه، ولا أظن أنه يشكو من ذلك صحيًّا أو نفسيًّا، ولا أدري إذا كانت (زهرة أندلسية) ومتابعوها سيعيدون النظر في موقفهم بعد ذلك أم لا عندما تتطور أذواقهم، ولا أدري إذا كانت الأيام ستثبت صحة موقفهم وخطأ موقفنا، لست مشغولًا بكل ذلك، بقدر انشغالي بأن أذكرك أن كل شيء تكتبه مهما كانت جودته في نظرك، سيجد من يتعامل معه بوصفه “عميقًا جدًّا لدرجة إنه ما يتفهمش أو سطحي جدًّا لدرجة إنه يندم على قراءته”.

لذلك من الآخر اكتب ما يحلو لك، كما يحلو لك؛ لأنه لو كان الله يمنح رضا الناس جميعًا لكاتب، لمنح بهاء طاهر رضا (زهرة أندلسية).

ولعلي لا أجد ما أختم به رسائلي لك التي أسأل الله أن يجعلها “آخر الأحزان”، بغير تذكيرك مجددًا بالنصيحة الحكومية الوحيدة التي استفدت منها في حياتي، نصيحة الإدارة العامة للمرور: “لا تنشغل بغير الطريق”.

ربنا ينور طريقنا وطريقك.

المصدر:التقرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.