بلال فضل يكتب | وصيّة بيرم للسعدني

بلال فضل يكتب | وصيّة بيرم للسعدني

بلال-فضلطيلة الوقت، يتظاهرون بالعظمة والتماسك والقوة والصلابة، ثم ينهار كل ذلك على الفور أمام أبسط رأي ساخر، أو ساخط، لينفضح لك كم هم متهرئون وعصبيون وعديمو الثقة بأنفسهم و”منظر على الفاضي”، فيصدق فيهم ما قاله أبونا صلاح جاهين: “أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جرس.. جلجلت به صحيوا الخدم والحرس.. أنا المهرج خفت ليه قمت ليه.. لا في إيدي سيف ولا تحت مني فرس”. ولتذكرك ردود أفعالهم المنفلتة التي تستبيح حتى أعراض خصومهم، بسطور بديعةٍ كتبها الولد الشقي، عمّنا وأستاذنا، محمود السعدني، والذي لا أحتاج إلى مناسبة مثل مناسبة عيد ميلاده التي تحل اليوم، لكي أستعيد قراءة كتبه مراراً وتكراراً، خصوصاً تلك السطور التي جاءت في كتابه البديع “مسافر بلا متاع” والتي تحدث فيها عن قدر الساخرين في أوطاننا، المنكوبة بحب التطبيل والتهليل.
يقول محمود السعدني: “في بداية حياتي الصحافية، أكرمني المولى العزيز بالجلوس في حجرة واحدة مع العبقري الخالد بيرم التونسي، وكان بيرم في نظر جيلنا أسطورة من الأساطير، كان كاتباً ساخراً وشاخراً أيضاً، أصدر أكثر من عشرين جريدة وصحيفة، ولكن سلطات الاحتلال وقفت له بالمرصاد، فطاردته على طول الخط، وصادرت جميع المجلات والجرائد التي أصدرها، وكان القانون وقتئذٍ يُحَتِّم على كل صاحب جريدة الحصول على ترخيص قبل الصدور، وقد حاول بيرم عدة مرات الحصول على الترخيص من دون جدوى، لكن هذا الموقف الرسمي لم يصرفه عن تحقيق هدفه، فأصدر مطبوعة باسم المسلة، وكتب تحتها عبارة لا جريدة ولا مجلة، لكي لا تحتاج إلى ترخيص من أي نوع.
ولأن عمّنا بيرم كان شعبياً وبسيطاً، فقد توطّدت الصلة بيني وبينه، وكان في لحظات صفوه يحكي للعبد لله عن معاناته في المنفى، وعن دوخة يني التي تعرّض لها في الغربة. النصيحة الوحيدة التي أسداها للعبد لله، أن أهجر الأسلوب الساخر الذي أكتب به، وأوصاني باتباع الأسلوب الحنجوري، بحيث تحمل المقالة عدة أوجه، تقرأها فتتصوّر أنها هجاء، ويقرأها غيرك فيتصوّر أنها مديح، كلام من نوع الشواشي العليا للبرجوازية، والشفق “المذهق” على قفا الأفق، كما يكتب السادة الحناجرة، أو كلام على طريقة السادة السناكحة، نسبة إلى سنكوح بن مزاحم الذي كان والياً على ديوان الإنشاء للقائد أبرهة، وكان عليه أن يكتب الرسائل والفرمانات، بلغةٍ يفهمها جميع البشر من روم ومن عرب وعجم وفرس وزنوج، فكان يكتب، في رسالته، شيئاً من “شندبار يلوح في السواهيلي، ويكشف عن رجل ملم نشطل مكارف مظروم على خوشبي أمديد زغتي”.
وقال لي عمنا بيرم التونسي: “إذا التزمت بهذا الأسلوب الساخر، ستكون حياتك في مهب الريح، وأيامك أسود من الزيتون المدهون بالورنيش، ولياليك يا صاحبي أزرق من الهدوم المصبوغة بالنيلة، لأنه لا يغيظ المسؤول إلا أن تتناوله بأسلوب ساخر، يهتك ستره، ويكشف حقيقته، ويمزق الثوب الكاذب الذي يحرص على أن يظهر به أمام رؤسائه، لأن المسؤول عادة ما يكون مثلنا، غلبان وتعبان ومهزوم في داخله، لكنه يحرص، دائماً، على الظهور وهو في مكتبه العاجي في صورة تخالف حقيقته، فيتعمد أن يعوج رقبته أو أن ينفخ أوداجه، فإذا سخرت منه، فقد نكأت جراحه، واللعب في الجراح يستفز ويهيج صاحبها، ويجعل منه وحشاً يتصرف كالنمر الجريح”.
لم يستمع السعدني إلى نصيحة بيرم التونسي، بل اختار مثل عمه بيرم أن يدفع ثمن كتابته غالياً، لكنه، بعد عمر من العذاب، سأل نفسه مراجعاً ومتأملاً: “لكن، بالرغم من القهر الأزلي والعذاب الأبدي، هل أفضل للكاتب أن يعيش عيشة موظف الأرشيف، أم يعيش على سن القلم، كما يعيش المقاتل على حد السيف؟”. وبالطبع، لم يتردد في إعلان اختياره، قائلاً “العبد لله يتمنى أن يعيش عيشة بيرم التونسي، وأن أحظى بشرف خدمته في كل مكان، ولو كان في تخشيبة قسم الخليفة”. وقد كان عم محمود قد قوله وقدود، فمع أن حياته لم تكن منزّهة عن الأخطاء، إلا أنه كان، طيلة الوقت، حريصاً على أن يعيش على سن قلمه، حتى لو دفع ثمن ذلك غالياً من عمره في السجون والمنافي، بعيداً عن أسرته وأحبابه و”جيزته”، أحب بقاع الدنيا إليه، من دون أن تهزه أصوات التخوين والتشويه المنبعثة من كلاب الحاكم العضاضة، التي حاولت عبثاً أن تنال منه، ومن بيرم التونسي قبله، ومن كل مَن حاول قبلهم، أو بعدهم، أن يسخر من هشاشة كل حاكم منفوخ على الفاضي.
طبت حياً وميتاً يا عم محمود.

 

المصدر:العربى الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.