بليلة مرة – قصة قصيرة لـ مجدي عزمي

سمعتُ جدتي ذات يوم تثرثر مع إحدى الجارات على بسطة السلم، وهي تفصص اللحم من رقاب وأجنحة الدجاج المسلوقة خصيصاً للقطة الرومية، التي أوشكت أن تضع حملها في كرتونه لعبي القديمة “مسكينة .. لم تحتمل زواج أبي يوسف عليها وإتيانه بضرة .. والضرة مرة .. فسقطت تحت سطوة السكر والضغط ، فكف بصرها ، فما كان من الناقص إلا أن طلقها ، فانقطع لبنها قبل أن يرتوي يوسف ، فكبر .. ولا يرى أباه إلا كالغرباء .. ولا يعرف عنه سوى الشهرية المرسلة مع أحد صبيانه

أفرغت السكرية من قوالبها البيضاء، وما تبقيِ من مكسرات وجوز الهند وزبيب تبقى من رمضان الماضي. وفشلت في إزاحة المرار عن الطبق الماثل بين يدي، دافعت عن مهارتها بلهجة غاضبة “يبدو أن المرار عالق بحلقك أنت! ولا ذنب فيما أعددته لك .. ألم تقل لي أنك لم تأكلها منذ سنوات” تعجبتُ من أمرها، حقاً لم أذقها منذ سنوات طويلة …….. منذ أيام التفتح والبكور.

كنتُ ويوسف صديقين حميمين وزملاء في (تختة) واحدة، حتى الصف الثالث بمدرسة رمله بولاق الإبتدائية، الكائنة بين المساكن الشعبية المطلة على كوبري الصنايع من جهة، والعشش التي تعايش أهلها مع الموت والفقد والعدم ، وأصبح لا يؤرقهم الزلزال اليافع بفعل قطار الصعيد القادم عبر كوبري إمبابة من الجهة الأخرى. فضلاً عن ذلك، كنا جيران من (حتة واحدة) في نفس الشارع بالحي العتيق.
في يوم. نظراً للبرد الشديد وان الحصة الأخيرة دين، خرجنا مبكرا. لم تسعنا فرحتنا, تمنينا أن يصير العام الدراسي كله مطر. ورغم شدة البرد – كنا في أوج نشاطنا وجرينا إحتفاء (بالمرواح بدري) وسط صيحات التلاميذ التي تدافعت من فوهة الباب على عربة الدوم، وما تحمله من بقايا التفاح الأخضر. كان صاحبها متكوراً حول نفسه، منكمشاً داخل جلبابه المتعدد الألوان من كثرة الرقع المرتوقة به، دافناً وجهه بين أكمام يخرج منها ذراعان نحيلان، ولا يظهر منه سوى طاقيته الصوفية الخشنة، التي تدثر صلعته السمراء، التي تشبه ثمرة دوم كبيرة. كان جالساً أمام مقهى (أبوالعلا) صاحب السوابق، الذي صدر ضده أكثر من قرار بالغلق لوجوده أمام مدرسة، خشية إفساد البراعم، وتشرخ القوارير.
يوسف كان أفضل من ينتقي الثمرة الجيدة ولا يرمى منها شيئاً، حتى البذور، حقيبته تحوى الكثير منها، كان له فيها مآرب أخرى؛ يزعم أنها أفضل من الطوب، تؤلم ولا تترك أثراً في صاحب النصيب, يستخدمها في عراكه مع تلاميذ الفصل؛ من اجل الفوز بتخته بلا مسامير، لا تشق الثوب واللحم. جذبني من ذراعي حينما رآني متجهاً نحوه, متعللاً بضرورة الإسراع قبل أن تبرد البليلة
اشتدت الريح, كان المارة يحثون الخطى على الإسراع, يتشبثون بملابسهم الثقيلة. تعجبت منهم.
كيف هم يخشون المطر!- قد يهطل عليهم قبل أن يصلوا لبيوتهم الدافئة، بينما كنت أمشي على مهل ، أتمنى أن يغزوا المطر الشوارع والحارات، قبل أن أعود للبيت؛ لعلي أحظى بالبلل وتتشرب مريلتي منه وترتوي
جدتي لم تكن تسمح لي بالخروج أو حتى الوقوف بالشرفة وقت المطر. وكثيراً ما كانت تصرخ بي وتهددني بحرماني من صلاة الجمعة مع جدي بمسجد سيدي سلامة الراضي. وما يتبعها من تنزه وشراء (الأرواح) واللب السوري من بقالة عم خميس ذي العكازين المتهالكين، اللذين يشكوان دوماً من وطأة حمل الجسد السمين. كثيراً ما كنت أختلس غفلتها وأصعد للسطح بحجة التأكد من عودة الحمام للغية. كنت أبسط الذراعين؛ فاتحاً فمي لتسقط القطرات الباردة وأنا مغمض العينين. كانت وجدي يعتبراني وديعة تركها أبي وأمي لديهما، حتى تحين عودتهما محملين بالغنائم والمتاع والهدايا، من بلاد النفط والعطايا.
دوماً كنت أحسد يوسف على حريته, تتركه أمه يرتع ويلعب, يخلع قميصه وبنطاله، لا يبقى إلا بالفانلة والسروال، ويجري من أول الشارع ناحية الترام حتى سكة المطبعة، ويقفز فوق بقع المطر التي تراكمت بالحفر وتملأ الشارع، صانعاً دوائر متوالية تتسابق وتتسع، لتصل لأقصى اتساع الحفرة وتعود أدراجها منكسرة بعد فشلها في تجاوز الحافة. بينما في المدرسة كان ليوسف مع المطر إحتفاء من نوع آخر كان يلعق حباته البلورية المترسبة فوق خدود البنات، ولم تكن تزجره عقوبة ولا استدعاء لولي الأمر، فلم يكن له في دنياه سوى أمه, كثيراً ما كنت أشفق لحالها – كيف ترعاه؟ وهي أحوج منه لمن يرعاها.
سمعتُ جدتي ذات يوم تثرثر مع إحدى الجارات على بسطة السلم، وهي تفصص اللحم من رقاب وأجنحة الدجاج المسلوقة خصيصاً للقطة الرومية، التي أوشكت أن تضع حملها في كرتونه لعبي القديمة “مسكينة .. لم تحتمل زواج أبي يوسف عليها وإتيانه بضرة .. والضرة مرة .. فسقطت تحت سطوة السكر والضغط ، فكف بصرها ، فما كان من الناقص إلا أن طلقها ، فانقطع لبنها قبل أن يرتوي يوسف ، فكبر .. ولا يرى أباه إلا كالغرباء .. ولا يعرف عنه سوى الشهرية المرسلة مع أحد صبيانه”
كيف يحرم السكر نور العين وبه تحلو الأشياء؟! وكيف يوصف الرجل بالنقص وهو كالفحل؟
قادر على دفع عربة الخردة طوال النهار دون أن يكل أو يتعب حتى يصل إلى وكالة البلح. حيث مثواه التجاري وقضاء بقية يومه مع الحديد الصدئ وسط صيحات باعة الملابس القديمة والأقمشة التي انتهكتها العته، وعفرتها الأتربة المباركة، المصاحبة للترام الآتي بالنفحات والرواد من لدن السيدة رئيسة الديوان.
أخذنا نجري وراء بعض لنقصر المسافات، كان دوماًً أسرع منى في العدو ، ولم أكن أجد سبيل لإيقافه سوى جذبه من حزام المريلة الذي دوماً يتدلى من ظهره، لم نكن نعبأ بالأسلاك الشائكة القصيرة التي تحيط بالحشائش والأشجار المغروسة أمام بلوكات المساكن، لإضافة رقي على تلك المنطقة, لم نكن نعطيها فرصه للنمو، كنا ندهسها كل يوم. ظللنا نجري لا نعبأ بالبرد ولا المطر المنتظر، ولا بحقائبنا المدرسية المكدسة بالكتب فوق ظهورنا، التي كنا نستخدمها في حصة الألعاب ونرفعها كحاملي الأثقال.
في نهاية المساكن اشتد الجو برودة وعصفاً بالأوراق الجافة, التي تخلفت عن خريف ماض, بمنتصف الطريق كان الريح يطوح بمريلة يوسف، ويراودها على المضي نحو شارع أبوالفرج، ومعه الأوراق الجافة, سمعت خربشتها وهي تتشبث بالأرض، قليلة الحيلة، تنساق لقدرها المحتوم.
دهشت من حيرة يوسف وتردده. أيكون الهواء ساقه هو الآخر نحو الشارع؟! أمسكت ذراعه مذكراً إياه بطبق البليلة الساخنة الذي ينتظره, فذكرني بالموعد الأسبوعي لوصول شاحنة القمح للمطحن.
وجدته مصراً على تغيير طريقه، منحرفاً صوب المطحن ينتظر الشاحنة الآتية عبر كوبري الصنايع الممتد من سوق روض الفرج، ليصب روافده من ترام وباعه جائلين إلى أول السبتية وميدان الرملة.
قال مبرراً “لن نتأخر .. فقط سنرجع عن طريق الأسفلت” ذلك حتى يتسنى له أن يأخذ حصته من القمح وهو عائد للبيت، كثيرا ما كنت أستاء من فعلته هذه – كيف يختلس القمح من فوق الشاحنة مستغلاً انشغال العمال في نقل الجوالات ؟ – التي تبدو ظهورهم مقوسة من كثرة الأحمال، تذكرني بهلال رمضان – أجابني مدافعاً “ليست سرقة .. ألم تذكر الأسبوع الماضي حينما أتينا بعد انصراف الشاحنة؟ كيف فعلت عجلاتها بالقمح الذي تساقط وتسرب من الجوالات؟” كان يرى أنه أولى به من طحنه بالعجلات الضخمة فوق الأسفلت وتركه للكناسين! كان يأخذه لأمه كي تحيله إلى بليلة والتي يشتهيها بنهم، ومنها يكون فطوره.
لم أكن مثله، كنت اقنع بغرفه آخذها بيدي من فوق العربة، لأضعها بالقصيصة الفخارية الصغيرة بنافذتي المطلة على المنور، كان يضحك ويسخر مني، لأن العصافير كانت تلتقطه من فوق الطين قبل أن تشرق عليه الشمس.
وبعد أن فرغ العمال من نقل نصف العربة؛ طال غيابهم بالداخل, لعلهم يستريحون من عناء الأحمال، ويلتمسون بعض الراحة مع رشفات الشاي الأسود. لم يترك الفرصة السانحة أمامه، استغل غيابهم بالداخل، فخلع حقيبته، ونزل تحت الشاحنة, واخذ يجمع القمح بكلى يديه ويملأ جيوب المريلة. حذرته من خطورة فعلته هذه، هممته بالإسراع قبل أن يلحظه احد. لم يعرني أي اهتمام، اخذ يلملم كمن وجد كنز بلا صاحب، ولم يكتف بذلك بل فتح حقيبته، وأفرغها من الكتب والكراسات والقي بذور الدوم تتدحرج فوق الأسفلت واخذ يعبئ في الحقيبة من القمح الغزير الملقى فوق الجوالات الفارغة المفروشة تحت الشاحنة.
فزعت على موتور الشاحنة الذي صرخ فجأة وبدأت تتحرك, صحت بالسائق ملوحاً بذراعي راجياً إياه أن يقف – لم يسمعني. خشِي يوسف الخروج جهة الشارع كي لا يراه السائق فآثر الخروج ناحية المطحن، أسرعت بالالتفاف من خلف الشاحنة كي أعينه على الخروج – وأثناء جريي …..
سمعت صراخ العمال: “حاسب .. حاسب”
وجدت يوسف وقد دهسته العجلات, وتخضبت مريلته بالدماء التي أغرقت القمح المفترش تحته. أخذت اجذبه بكل قوتي وجسده ينتفض ويرتعش، ونظره معلق بي قابضاً بيديه على يدي, حاولت أن أبسطهما كي أتمكن من جذبه من اسفل الشاحنة، استرخت أصابعه ……… وما إن هدأ الجسد – حتى سقطت حبات قمح كانت عالقة بكفيه – حمله احد العمال على ذراعيه ، فاشتد ظهره واستقام بعد طول انحناء.
مررنا نحو ميدان الرملة حتى وصلنا لناصية الشارع، وجدت عم خميس صاحب البقالة يحمل قرطاسي اللب – كان ينتظرنا، وما إن رآنا حتى سقطا من يده، ورفع سبابته صوب السماء، واغرورقت عيناه وتمتم بكلمات لم اسمعها. وحينما وصلنا أمام بيته، أشرت نحو الباب وتركت حقيبته وصعدت خائفاً إلى بيتي .. آكلاً درجات السلم .. ملتصقاً بالدرابزين – قبل أن يفتح الباب.
بكف ثقيلة مضمومة تملأها الشقوق – طرق احد العمال باب بيته – جاء صوت ألام من الداخل يناشد الطارق الصبر والحلم, فتحت الباب وأطلت بوجهها البشوش وبيدها طبق تتصاعد منه الأبخرة وعيناها متعلقتان بالسماء التي بدا البرق يشق غيومها، صاعقاً كل ما يعترض سبيله, وحينما طال صمت العمال وسط همهمات الجيران الذين تجمعوا أمام البيت – اقترب منها أحدهم وهو يسألها الصبر والسلوان “شدي حيلك يا أم يوسف” – مدت يدها وتحسست جسده ومررت أصابعها المرتعشة بوجهه وشعره، وتشبثت به وشهقت شهقة لم تسمعنا الرعد الهارب من جوف السماء، دبت بكفها على صدرها – جلست وتربعت على عتبة الباب فوق الأرض، ووضعت الطبق بجوارها ورفعت يداها وتناولت جثمانه، أنامته على الأرض مسندة رأسه فوق (وركها)، أخذت تقبل ما تصادف وجوده أمام فمها دون تمييز.
لم تصرخ. لم تبك. لم تشق ثيابها. لم تلطم الخدود. لم تهل التراب فوق رأسها كما يفعل النساء عند فراق الأحبة، ورغم قسوة الرعد وصداه، سمعت أنين آتى عبر الشقوق المحفورة بالجدار القديم. كيف تسللت إلى سمعي نغمات بائع الربابات من الحارة المجاورة خلف البيوت الراسخة في المكان. أخذت تهدهده وهو مستقر بحضنها، تؤرجح جسدها للخلف وللأمام، وتربت على صدره وتجفف وجهه بذيل طرحتها البيضاء من ماء المطر الذي انهمر بعد طول انتظار – كانت تهذي بأغنيات الطفولة:
•    ( لما قالو لي ده ولد .. اتشد ظهري واتسند)
•    (قالو من عينه كحلة .. قلت لهم لا .. يوسف أحلى)
لم أشعر ببكاء جدتي خلفي ولا بيدها وهي تربت على كتفي، حاولت أن تدخلني خوفاً وإشفاقاً، ولكني تشبثت بقضبان الشرفة واقفاً على ركبتي، وبصري معلق بيوسف وقد تسربت بعض قطرات المطر فوق خده فاستقبلها بابتسامه هادئة – رغماً عنى، تسربت دمعه مالحة شقت جفني، وحفرت مساراً فوق خدي.
سرب الحمام آبى أن يأوي لعشه، قبل أن يودعه، وقد أثقل المطر ريشه، ناح وافترش الأرض حوله، وأخذ يلتقط القمح الذي تسرب من جيوب مريلته – حتى القطة تركت صغارها يتخبطون داخل الكرتونة، يبحثون عن أثدائها الحمراء – اقتربت منه، أخذت تلعق المطر من فوق خده الندي.  أخذت أمه تقلب الطبق بجوارها, وترفع الملعقة قرب فمها وتبث بها الهواء بحنو، قبل أن تودعها فمه الصغير، تبادل الواقفين النظر اليها, فظنوا بها الجنون. ألقوا إليها بكلمات العزاء والمواساة قبل أن يمضي كلٌ إلى حال سبيله.
–    “وحدي الله يا أم يوسف .. شدي حيلك”
–    “وديعة وربنا استردها .. وأنت ست مؤمنه”
–    “ابنك دلوقتي في الجنة .. مع الملايكة”
أدارت وجهها حيث الأصوات المتناثرة وقالت بصوت مبحوح “كان نفسه فيها”

“مش كان نفسك فيها” استفقت من شرودي وهي تكرر سؤالها، وتمرر إصبعها الرقيق فوق المسار القديم، تمسح دمعة خائنة، وبيدها الأخرى ملعقة عسل لتضعها بالطبق المرير ، أمسكت كفها وقبلته، وشكرت صنيعها بابتسامة “مهما أتيت من سكر وعسل .. فلن يُمحىٍٍٍِِِِ المرار من طبق البِليلة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.