تكنيك الزمن في رواية – الصخب والعنف لـ /ويليام فوكنر

أول ما يفاجئ القارئ لرواية “الصخب والعنف” هو غرابة تكنيكها. فما الذي جعل فوكنر يجزئ الزمن في روايته، ويمزج هذه الأجزاء بلا ترتيب؟ ولماذا كانت أول نافذة تُفتح على العالم الروائي فيها مرويةً من خلال وعي معتوه؟ الأمر الذي يدفع القارئ إلى أن يبحث عن علامات توجهه، وإلى إعادة ترتيب الأحداث زمنيًّا.

أنجب جاسون كومبسون وزوجته كارولين ثلاثة أبناء وابنة. واستسلمت الإبنة كادي لشخص يدعى دالتون إيمز، وحملت منه، الأمر الذي دفعها لأن تبحث بسرعة عن زوج…
عند هذا الحد، يتوقف القارئ، لأنه يدرك أنه يروى قصة أخرى. ذلك أن فوكنر لم يكن في ذهنه حبكة الرواية منذ البداية، ثم أعاد خلط أجزائها مثلما يخلط المرء أوراق اللعب، بل لم يكن بإمكانه أن يرويها بطريقة أخرى. وفي الروايات الكلاسيكية، يتضمن الحدث عقدةً مركزية، على سبيل المثال مقتل كارامازوف الكبير، أو التقاء إدوارد وبرنارد في المزيفون(2). ولكننا لن نجد مثل هذه العقدة في “الصخب والعنف”. فهل تكون العقدة فيها خصي بنجي، أم مغامرة كادي العاطفية البائسة، أم انتحار كوينتن، أم كُره جاسون لابنة أخته؟ فما إن تتأمل أية سلسلة من الأحداث حتى تتكشف عن سلسلة الأحداث الأخرى، كل الأحداث الأخرى. ولا شيء يحدث؛ والقصة لم تتكشف بعد؛ هذا ما نكتشفه وراء كل كلمة مثل حضور كريه وقهري بدرجات متفاوتة من الكثافة، وفقًا لكل موقف. ومن الخطأ النظر إلى هذه الأشكال من الخروج عن المألوف على أنه مجرد استعراض لا مبرر له لبراعة الكاتب. فالتكنيك الروائي مرتبطٌ على الدوام بميتافيزيقا الروائي. ومهمة الناقد هي اكتشاف هذه الميتافيزيقا قبل أن يقوم بتقييم التكنيك الروائي.
والآن، من الواضح- على نحو مباشر- أن ميتافيزيقا فوكنر هي ميتافيزيقا الزمن.
ومصيبة الإنسان تكمن في أنه مقيدٌ بالزمن.
“… إن الانسان ليس إلا حاصل جمع المصائب التي واجهته. ويومًا ما بعد أن تُفكر في مصيبتك، سوف تتعب، ولكن الزمن عندئذٍ سوف يكون مصيبتك…”
هذا هو الموضوع الحقيقي للرواية. وإذا كان التكنيك الذي تبناه فوكنر نفيًا للزمانية أو التقيد بالزمن، فإن السبب في ذلك يرجع إلى أننا نخلط بين الزمانية والتتابع الزمني. فالإنسان هو الذي اخترع الساعات والتواريخ.
“… وكان أبي قد قال إن التكهن بوضع العقارب على ميناء الساعة عشوائي الترقيم عَرَض من الأعراض التي تدل على وظيفة العقل البشري، وأوضح أنه إفراز له مثلما أن العرق إفراز للجسم…”
ولكي نصل إلى الزمن الحقيقي، يتعين علينا أن نتخلي عن المقاييس المبتكرة الذي لا تقيس أي شيء.
“… إن الوقت يموت مع كل تكة من رقاص الساعة، ولن يعود الوقت للحياة إلا عندما تتوقف الساعة.”
وعليه، فإن كسر كوينتن لساعته لهو إشارة لها قيمة رمزية، فهي توصلنا إلى الزمن دون ساعات.
كما أن الزمن، عند المعتوه بنچي- الذي لا يدري ما هو الوقت- هو زمن بلا ساعات.
وما يتكشف لنا- بناءً على ذلك- هو أن الحاضر ليس هو الحد المثالي الذي يتحدد موضعه بدقة بين الماضي والمستقبل. فحاضر فوكنر حاضرٌ لا عقلاني في جوهره. إنه الحدَث الذي ينسل إلينا مثل لص بشع ويتعذر فهمه، ينسل إلينا ثم يختفي. وخارج هذا الحاضر لا يوجد شيء، نظرًا لأن المستقبل لم يوجد. وينشأ الحاضر من مصادر لا نعلمها، ويجرف بعيدًا حاضرًا آخر، فهو يبدأ من جديد إلى الأبد. إنه مثل الحاضر عند دوس باسوس(3)، وإن كان أكثر منه إتقانا. ذلك أن فوكنر يراكم طبقات من سرده الروائي. فالأفعال نفسها- حتى عندما يُنظَر إليها من وجهة نظر مَن يقومون بها- تنبثق فجأةً، ثم تتشتت عند ولوجها إلى الحاضر.
“توجهتُ إلى التسريحة، وتناولت الساعة ووجهها مقلوب للأسفل. وخبطت زجاج الساعة بالتسريحة وتلقيت بيدي قطع الزجاج المتكسرة ووضعتها في منفضة السجائر، وخلعت العقارب ووضعتها في المنفضة. وكانت الساعة تتكتك.”
والخاصية الأخرى للحاضر- عند فوكنر- هي الانغراز(4). وأنا أستخدم هذه الكلمة لعدم وجود كلمة أفضل منها للتعبير عن ذلك، للإشارة إلى الحركة المكبوحة في الزمن. فلدى فوكنر لا يوجد أي تقدم للأمام، لا شيء يأتي من المستقبل. فالحاضر لا يتضمن في ذاته الأحداث المستقبلة التي نتوقعها، مثلما يتضح عندما أقول إن الصديق الذي أنتظره يحضر في نهاية المطاف. فالأمر على العكس من ذلك؛ فلكي يكون حاضرًا يتعين أن يظهر دون سبب وأن يتوقف عندئذٍ. وهذا التوقف ليس تعبيرًا مجردًا، فهو يدركه في الأشياء ذاتها، ويسعى لجعله ملموسًا.
“… واستدار القطار عند المنحنى وكان المحرك ينفث دفعات من الدخان القصيرة والكثيفة، ثم اختفوا بنعومة عن الأنظار بهذه الطريقة بما يتصفون به من الهزال والصبر الذي لاحدود له في الزمان والوداعة الساكنة…”
ثم مرةً أخرى:
“…، ومن أسفل العربة كانت حوافر الحصان تبدو وهي تتحرك بانتظام وبسرعة مثلما تتحرك يد امرأة تطرز قماشا، غير أن الحركة كانت تتلاشى دون أن تتقدم العربة للأمام، مثلما يجري المتدرب على آلة التدريب دون أن يتحرك من مكانه…”
وييدو أن فوكنر يأسر الحركة في قلب الأشياء ذاتها؛ فاللحظات تنبثق فجأةً، ثم تتجمد، ثم تخفت وتنحسر وتتلاشى، إلا أنها لا تتحرك.
ولكن هذه الوضع المراوغ، والمتعذر على الفهم، يمكن مع ذلك إدراكه والتعبير عنه لفظيًّا. ويمكن لكوينتن أن يقول “كسرت ساعتي”. لكنه عندما يقول ذلك يكون ما يشير إليه ماضيًا. والماضي يمكن تسميته ووصفه. وحتى حدٍّ معين، يمكن تحديده من خلال المفاهيم، أو إدراكه بالحدس. ولقد أشرنا من قبل- بصدد الحديث عن رواية سارتوريس- أن فوكنر يوضح لنا الأحداث على الدوام عندما تكون قد اكتملت بالفعل. أما في “الصخب والعنف”، فإن كل ما يحدث يكون إما بسبيله للحدوث، أو لا شيء يحدث، أو حدث بالفعل. وهذا ما يمكننا من أن نفهم تعبيرًا غريبًا ورد على لسان أحد أبطال الرواية، حين يقول “أنا لم أعد موجودًا.. كنت موجودًا”. وبهذا المعنى، يمكن لفوكنر أن يجعل الإنسان بلا مستقبل، أن يجعل منه “مجمل خبراته المناخية”، أو “مجمل ما واجهه من مصائب”، أو “مجمل ما يمتلك”. وفي كل حالة من تلك، نرسم نحن الخط الفاصل، طالما أن الحاضر ليس إلا أقوالاً مشوشة، والمستقبل أصبح ماضيًا. فرؤية فوكنر عن العالم أشبه برؤية شخص يجلس في عربة مكشوفة وينظر إلى الوراء؛ ففي كل لحظة تتتابع الظلال عن يمينه ويساره، وتظهر أضواء متقطعة، ونقاط ضوء مرتعشة وغير مستقرة، لا تصبح أشجارًا وأناسًا وسيارات إلا عندما ينظر إليها في نسبتها بعضها للبعض الآخر. فالماضي هنا يكتسب صفات سيريالية تتسم الخطوط المحددة لها بالصلابة والوضوح والرسوخ. والحاضر المراوغ، وغير المحدد، يكون عاجزًا أمامها، حافلاً بالثغرات التي تنفذ من خلالها أمورٌ من الماضي تتسم بالثبات والجمود والصمت. وفقرات المناجاة مع النفس- لدى فوكنر- تذكرنا برحلات الطيران التي تنغصها مطبات الهواء. فعند حدٍّ معين، نرى وعي البطل “يسقط في الماضي”، ثم يعاود النهوض، ثم يسقط فيه مجددًا. فالحاضر ليس موجودًا، فهو يصبح ماضيًا بمعني الكلمة. وفي رواية سارتوريس، يُنظر إلى الماضي من خلال “القصص”، لأنه يتألف من مخزون من الذكريات المألوفة، لأن فوكنر لم يكن قد تملك بعد ناصية تكنيكه. وهو في الصخب والعنف أكثر تجريبية، ومن ثم أقل يقينًا. بل إن انشغاله بالماضي هو من القوة إلى حدٍّ يغطي على الحاضر ــ ويسلك الحاضر طريقه وسط الظلال، مثل نهر جوفي، ولا يظهر إلا عندما يصبح ماضيًا. ونتيجة لذلك، فإن كوينتن لا يدرك أنه أهان بلاند، لأنه يعايش من جديد- في معركته معه- معركته مع دالتون إيمز.(5) وعندما ضربه بلاند، تمت المطابقة بين معركته هذه وبين معركته مع دالتون إيمز. وسوف يحكي شريڤ- فيما بعد- كيف ضرب بلاند كوينتن؛ سوف يصف المشهد لأنه أصبح تاريخًا- ولكن هذا المشهد، عندما كان حاضرًا، كان حدثًا غامضًا وضبابيًّا. ولقد حكى لي البعض عن ناظر مدرسة توقفت ذاكرتُه، مثلما تتوقف ساعة مكسورة، عند الأحداث التي مر بها في الأربعينيات من عمره؛ وعلى الرغم من أنه في الستينيات من عمره، إلا أنه لا يدري بذلك. وتنحصر ذكرياته في فناء المدرسة وجولاته في الملاعب. ومن ثم، فإنه يفسر الحاضر عن طريق هذا الماضي الثابت، ويتحرك حول مائدته وهو على اقتناع تام بأنه يراقب الطلاب في لعبهم. وشخصيات فوكنر تتصرف على هذا النحو. والأدهى من ذلك أن ماضيهم ليس مرتبًا وفقًا لترتيب زمني، بل نابع من بعض الانفعالات والعواطف. فحول بعض الأحداث الرئيسية المحورية (حمل كادي، وخصي بنچي، وانتحار كوينتن)، تدور شذرات من الأحداث والأفكار. ومن ثم عبثية الترتيب أو التعاقب الزمني، عبثية “دوران الساعة ويقينها الأخرق”. فترتيب الماضي هو ترتيب القلب. فلا يجب أن نصدق هذا الحدث الحاضر، وبعد أن يمضى يصبح الأكثر حضورًا في ذكرياتنا. وتغير الزمن يمكنه أن يغمره في قاع الذاكرة أو في سطحها. وما يحدد مستواه فحسب هو ما يكمن فيه من قيمه، أو ما يتناسب مع حياتنا.
ومن ثم، فإن هذه طبيعة الزمن عند فوكنر. فإلى أي مدًى هي صحيحة؟ هذا الحاضر الذي يصعب تحديده، وهذه الانقضاضات المفاجئة للماضي، وهذا الترتيب العاطفي أو الانفعالي للأحداث الذي يناقض الترتيب العقلاني، وهو ترتيبٌ- رغم أنه ترتيب زمني- إلا أنه يفتقر للواقعية؛ هذه الذكريات البشعة والملحة، وهذه التقلبات للقلب- ألا نتعرف فيها على الزمن الضائع الذي نعيد الإمساك به عند مارسيل بروست؟ إنني أدرك الاختلافات بينهما؛ وعلى سبيل المثال أعلم أن الخلاص لدى بروست يكمن في الزمن ذاته، في الاستعادة الكاملة للماضي. وبالنسبة لفوكنر، فإن الأمر على العكس من ذلك، فإن الزمن لسوء الحظ لا يضيع؛ إنه موجودٌ هناك على الدوام كما لو كان هاجسًا. والوجد الصوفي هو السبيل الوحيد للإفلات من العالم الزائل؛ فالصوفي هو على الدوام الإنسان الذي يرغب في نسيان شيءٍ ما: ذاته أو- على نحو أكثر عمومية- اللغة أو التمثل الصوري أو الشكلي. وفوكنر يتوق إلى نسيان الزمن:
“أهديك- يا كوينتن- ضريح الأمال والرغبات جميعا، ومن المؤلم أنها كفيلة- حين تستخدمها- بأن تكون شاهدا على لا جدوى التجربة الانسانية برمتها، وهي التجربة التي لن تكون فيها تجربتك ملبية لاحتياجاتك الفردية أفضل مما كان حال تجربته أوتجربة والده. أهديها لك لا لكي تتذكر الزمن بل لتنساه بين حين وآخر. فلا تجهد نفسك في السعي لالحاق الهزيمة به، لأنها معركة خاسرة وهما لم يخوضاها، ولا يكشف ميدانها للانسان إلا عن حمقه ويأسه، والانتصار فيها وهم من أوهام الفلاسفة والحمقى”.
ونظرًا لأنه نسى الزمن، فإن الزنجي في رواية ضوء في أغسطس يحقق نوعًا من السعادة يتميز بأنه غريب وغيرطبيعي: “لن يكون ذلك عندما تتأكد من أنه لا يوجد ما يمكنه أن يقدم لك العون- الديانة أو الشرف أو أي شيء آخر- ولكن عندما تتأكد أنك لا تحتاج إلى أي عون”.(6)
ولكن الزمن بالنسبة لفوكنر- مثله في ذلك مثل بروست- هو الذي يفرق بين الناس في المقام الأول. ونحن نذكر العشاق في رواية بروست “المتع والأيام”، وهم يتمسكون بعواطفهم التي يخشون أن تنقضي، والتي يعلمون أنها سوف تنقضي. ونفس المعاناة نجدها عند فوكنر
“.. فالناس ليس في وسعهم ارتكاب فعلا شنيعا للغاية على الاطلاق، وليس في وسعهم حتى أن يتذكروا في الغد ما بدا أنه فعل شنيع اليوم…”
و
“.. من الامور التي يصعب تصديقها أن تفكر بأن علاقة حب أو تعاطف سند يشتريه المرء دون قصد وينتهي أجله شئنا ذلك أم أبينا ويتم استرداه دون سابق انذار لنستبدله بأي إصدار أخر تصادف أن الآلهة تطرحه في ذلك الوقت…”
كان يتعين على بروست أن يستخدم تكنيكًا شبيهًا بتكنيك فوكنر الروائي، وهذه هي النتيجة المنطقية لميتافيزيقاه. ولكن فوكنر كان إنسانًا ضائعًا، ولأنه يعلم أنه ضائع فهو يخاطر بأن يدفع بفكره إلى نهايته. أما بروست فهو كلاسيكي ورجل فرنسي، والفرنسيون يلتزمون الحذر حين يضيعون، ولذا فإن الأمور تنتهي على الدوام بأن يعثروا على أنفسهم. فالفصاحة أو حب الوضوح والذهنية العقلانية دفعتا بروست للحفاظ على مظهر التتابع أوالتعاقب الزمني، على أقل تقدير.
ويمكننا أن نتعرف على السبب الحقيقي للتشابة بينهما في اهتمامات قاسمهم فيها عددٌ كبير من الكتاب في عالم الأدب. فمعظم الكتاب المعاصرين الكبار- بروست وجويس ودوس باسوس وفوكنر وجيد وفرچينيا وولف- حاول كل منهم، بطريقته، تقطيع أوصال الزمن. فبعضهم حرمه من الماضي والمستقبل، واختزله في الحدس البحت للحظة؛ والبعض الآخر- مثل دوس باسوس- جعل منه ذاكرة آليه ومحدودة؛ أما بروست وفوكنر فقد قطعا رأسه ببساطة، فقد حرماه من المستقبل، أو بعبارة أخرى من بُعد الاختيار الحر والفعل. فأبطال بروست لا يحققون على الإطلاق أي إنجاز؛ أجل هم يتوقعون الأمور قبل حدوثها، ولكن توقعاتهم أشبه بأحلام اليقظة، التي يهزم فيها الناس الواقع ويتشبثون بها، ومن ثم فإنهم لا يمكنهم تجاوز الحاضر. فالحسناء التي تظهر ليست تلك التي كنا ننتظرها، وفترة الانتظار ليست إلا فترة من الإثارة التافهة والضئيلة التي تدوم للحظة. وبالنسبة لأبطال فوكنر، فإنهم لا يتوقعون الأمور قبل حدوثها على الإطلاق: فالسيارة تمضى بهم بعيدًا، بينما هم ينظرون للوراء. والانتحار الوشيك لكوينتن- الذي ألقى بظلاله على اليوم الأخير من حياته- لا يقع ضمن عالم الاختيارات الإنسانية. فليس في وسع كوينتن أن يفكر لثانية واحدة في إمكانية ألا ينتحر. فالانتحار قضية مقررة سلفًا، شيء يقترب منه دون تفكير، ودون حتى الرغبة فيه، أو التفكير فيه:
” …..إنك تعتبر الموت على مايبدو مجرد تجربة من شأنها أن تجعل شعر رأسك يشيب بين عشية وضحاها إذا صح القول دون أن يتغير مظهرك…”
فالانتحار لا يتم اختياره بصورة واعية، لأنه حتمي. وحيث أنه يفقد طابع الإمكان، فإنه يكف عن الوجود في المستقبل؛ فقد أصبح جزءًا من الحاضر، ويهدف عمل فوكنر الفني بأكمله لأن يوحي لنا بأن مناجاة كوينتن لنفسه، ونزهته الأخيرة، هما بالفعل انتحاره. وأعتقد أننا يمكننا- بهذه الطريقة- أن نفسر مفارقةً تتسم بالغموض: فكوينتن يفكر في يومه الأخير كما لو كان في الماضي، كما لو كان شخصًا يتذكر. ولكن مَن هو الذي يتذكر، طالما أن الأفكار الأخيرة للبطل تتزامن تقريبًا مع تفجر ذاكرته ودمارها؟ إن الإجابة على ذلك تكمن في مهارة الروائي في اختيار اللحظة المعينة من الحاضر التي يصف منها الماضي. ومثلما فعل سالاكرو(7) في مسرحيته “مجهول من أراس”، فإن فوكنر اختار لحاضره لحظة الموت المتناهية الدقة. وبهذه الطريقة، فإن ذاكرة كوينتن تشرع في سرد انطباعاته
“…سمعت عبر الحائط يايات سرير شريف، ثم سمعت صوت احتكاك نعليه بالأرض، ونهضت….” إنه ميت بالفعل.”
وفي الواقع، فإن هذا القدر المبالغ فيه من الفن، وهذا القدر الكبير من التحايل، إنما يهدف فحسب لتعويض افتقار المؤلف لأية معرفة حدسية بالمستقبل. فكل شيء في دخيلة فوكنر الآن يصبح واضحًا، لا سيما لا معقولية الزمن. فطالما أن الحاضر غير المتوقع، والمستقبل الذي لم يتشكل يمكن أن يتحدد فحسب من خلال الإفراط في الذكريات، فإننا نتأكد من أن الزمن هو “مصيبة الانسان”. فلو كان للمستقبل واقع، فإن الزمن يتحرك من الماضي ويقترب من المستقبل، ولكن إذا طُمس المستقبل، فإن الوقت لا يعود ذلك الذي يقطع الحاضرعن ذاته:
“… لن يكون بوسعك تحمل التفكير بأن الموت لن يضرك على هذا النحو…”
فالإنسان يمضي حياته في النضال ضد الزمن، والزمن يجعل الإنسان يتآكل مثلما تتآكل المواد بالأحماض، وينزعه من ذاته ويبعده عن تحقيق إنسانيته. فكل شيء عبثي والحياة “حكاية بلا معنى يرويها معتوه مليئة بالصخب والعنف”(8)
ولكن، هل زمن الإنسان زمنٌ بلا مستقبل؟ يمكنني أن أتبين أن المسمار أو كتلة من الطين أو الذرة تعيش في زمن حاضر دائم. لكن هل الإنسان مسمارٌ يفكر؟ فإذا شرعتَ في غرزه في الزمن الكوني- زمن الكواكب والمجرات، وزمن تكوينات العصر الثلاثي في الجيولوجيا، زمن الأنواع الحيوانية، أو غرزناه في حمَّام من حامض الكبريتيك- فإن الإجابة واضحة. ومع ذلك، فمن الصحيح أن نعتقد أن الزمن يمكن أن يكون مفروضًا من الخارج، وأن وعيًا يُطرح بهذه الطريقة من لحظة إلى أخرى من شأنه أن يكون في البداية وعيًا، وأن يكون زمنيًّا فيما بعد. فالوعي لا يمكن أن يكون “في الزمن” إلا إذا أصبح زمنًا، من خلال تلك الحركة ذاتها التي تجعل منه وعيًا. وإذا ما استخدمنا تعبير هايدجر، فلا بد أن “يصبح زمنا”. وفي هذه الحالة، لم يعد من الممكن أن توقف الإنسان عند كل لحظة متعاقبة، وتعريفه بأنه “مجمل ما يمتلك”. بل على العكس من ذلك، فإن طبيعة الوعي تقتضي أنه مستهدف في المستقبل؛ ويمكننا أن نفهم ما هو فحسب بما سيصيره؛ فهو يتحدد في وجوده الحاضر بإمكاناته ذاتها. وهذا ما يطلق عليه هايدجر “القوة الصامتة للممكن”. لن تتعرف في نفسك على الإنسان الفوكنري، فهو كائن محروم من أية إمكانية، ويمكن تفسيره فحسب بما كان. وإذا ركزتَ ذهنك وفحصته، فسوف ترى أنه أجوف، ولن تجد سوى المستقبل. وأنا لا أتحدث حتى عن خططك أو توقعاتك، بل عن الإشارة ذاتها إلى أنك لن تلاحظ في وقتيته دلالةً بالنسبة لك، إلا إذا توقعت اكتماله خارج ذاته، وخارج ذاتك، فيما لم يحدث بعد. فهذه الكأس ذاتها التي لا ترى قاعها- والذي قد تراه، أي في نهاية حركة لم تقم بها بعد- وتلك الصفحة البيضاء، ووجها الآخر الذي لا تراه، ويمكنك أن تراه لو قلبت الصفحة، كل هذه الأشياء- وكافة الأشياء الثابتة وذات الكتلة المحيطة بنا- تمتد صفاتها المباشرة والصلبة إلى المستقبل. أما الإنسان، فليس مجمل ما يخصه الآن، بل مجمل ما لم يخصه بعد، مجمل ما يمكن أن يتصف به. ولو أننا انغمسنا في المستقبل، فهل تتضاءل الوحشية اللامعقولة للحاضر؟ فالحدث لا ينسل إلينا مثل لص، طالما أنه بطبيعته مستقبلٌ بسبيله للوجود. أليس من مهمة المؤرخ الذي يفسر الماضي أن يتساءل بدايةً عن مستقبله؟ أخشى أن العبثية- التي يجدها فوكنر في الحياة الإنسانية- هي عبثية وضعها فوكنر فيها. ولا يعنى ذلك أن الحياة ليست عبثية، ولكن يعني أنها تنطوي على نوع مختلف من العبثية.
فلماذا يختار فوكنر- وغيره من الكتاب- هذا النوع بعينه من العبثية، وهو نوع بعيدٌ عن الخيال المبدع وعن الحقيقة؟ لابد لنا أن نبحث عن السبب في ذلك في الظروف الاجتماعية لحياتنا الراهنة. فيأس فوكنر يبدو- بالنسبة لي- سابقًا على ميتافيزيقاه؛ فالمستقبل- بالنسبة له، كما هو بالنسبة لنا جميعًا- محجوز أو مسدود. فكل ما نراه، وكل ما نعايشه، يدفعنا للقول “لا يمكن أن يستمر ذلك لمدة أطول من ذلك”؛ ولكننا ليس في وسعنا أن نتصور أي تغيير سوى على أنه تغيير عنيف. فنحن نعيش في زمن التحولات التي يصعب تصورها، وفوكنر يستخدم فنه- الذي يفوق المعتاد- ليصف لنا عالما يحتضر من الشيخوخة، ونحن فيه نلهث ونشعر بالاختناق. وأنا أحب فنه، لكني لا أصدق ميتافيزيقاه. فالمستقبل المحجوز يظل مستقبلاً. وحتى لو كان الواقع البشري بلا أفق، وحتى لو كان حسابه قد أُقفل، فإن وجوده يتحدد على هذا التوقع ذاته. فافتقاد كافة الآمال، على سبيل المثال، لا يحرم الواقع البشري من كل إمكاناته، بل هو ببساطة “سبيل لأن يكون هناك توافق مع هذه الامكانات ذاتها (9)”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة: محمد يونس
ضمن مقدمات رواية “الصخب والعنف” لوليام فوكنر، التي تصدر قريبًا عن سلسلة “الـ100 كتاب” التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة.
– الهوامش مضبوطة في النسخة التي تُطبع حاليًّا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.