خيبة الدولة «2»

حين اخترت عبارة «أسياد البلد» كعنوان ثابت لعمودى، قصدت من ذلك الشعب المصرى. كنت قد اخترت العنوان بعد قيام الثورة مباشرة وصدور جريدة «التحرير» وكانت العبارة الشرطية الشهيرة ما زالت ساخنة فى وجدانى، حيث كان يردد ضباط الشرطة وهم يضربون المواطنين: «إحنا أسيادكو يا كلاب.. إحنا أسياد البلد دى..». فأردت تأكيد أن الشعب هو سيد البلاد، وأننا ليس لنا أسياد غير الله تعالى. بعد أن قام الشعب المصرى بتلقين وزارة الداخلية درسا يجب أن لا ينسوه، وإن حاول الرئيس مرسى أن يضمد جراحهم، مما سيضطرنا إلى تذكيرهم بالعلقة الأولى، اختفت الشرطة من الشوارع، انسحبت من أقسام الشرطة، بل وأطلقت علينا البلطجية وفتحت زنازين الأقسام والسجون، تماما كامرأة عوجاء، سليطة اللسان، خائنة، قررت أن تترك البيت والأطفال لزوجها لمجرد أنه حذرها، فأرادت أن تلقنه درسا: علشان تعرف قيمتى. كل ذلك لأن الشعب المصرى تجرأ وأفقد الشرطة «هيبتها»، لم يفعل ذلك بسلاح حمله، أو عنف اقترفه، كل ما قام به الثوار يوم 28 يناير هو أنهم وقفوا أمام المدرعات والرصاص ولم يهربوا، ولسان حالهم إن كانت الداخلية تكسر أنوفنا بترهيبنا بالموت، فمرحبا بالموت الذى سيكون أفضل جدا من حياة الذل والمهانة.
هيبة الدولة فى ذهن الحاكم المصرى، سواء كان مبارك، ومن خلفه مرسى، أو أى نظام يرغب فى التحكم فى عباد الله يكمن فى هيبة الداخلية، وهيبة الداخلية تكمن فى إرهاب المواطنين وتخويفهم، ولم تكن السنة ونصف السنة المنصرمة سوى محاولة لاستعادة القدرة على بث الخوف فى نفوس من كسروا حاجز الخوف، ولم يكن للثوار شغل شاغل سوى اكتساب المزيد من الشجاعة والاستهانة بالحياة فى سبيل تحقيق الكرامة الإنسانية. الآن تريد الدولة التى يقودها الإخوان المسلمون استعادة هذه الهيبة، والتى تعتمد بالأساس على: «إحنا أسيادكو يا كلاب»… جملة يرددها كل من يحكمنا مش عارفة ليه؟ طب ليه الغلط طاه؟ إكمنى ركبناكوا على أكتافنا يعنى؟ «إحنا أسيادكو يا كلاب» قالتها داخلية مبارك، وقالها أحد قيادات الإخوان المسلمين: الإخوان دول أسيادك، وعادة ما يقولها السلفيون عن مشايخهم: الشيخ حسان ده سيدك يا كلب. لم يقدم هذا الشعب كل تلك التضحيات من أجل أن يستبدل سيدا بسيد. وإن كان ولا بد أن يكون لهذه البلاد سيد، فهو شعبها الذى قدم التضحيات، ويدفع الضرائب التى منها يأكل المسؤولون ويلبسون البزات الأنيقة ويركبون السيارات الفارهة، نأكلكوا وانتو أسيادنا؟
وتماما كما اكتشف الرجل، بعد رحيل زوجته العوجاء، أن إدارة المنزل لا تطلب جهدا كبيرا ولا تكلفة عالية كما كانت توهمه الزوجة، وأن الأمر لا يعدو كونه: «الفرخة تسخنيها فى الميه تبقى شوربة يا لينا» فإن الشعب المصرى اكتشف، بعد غياب الشرطة، أن حماية البلاد لا يتطلب التعذيب والتنكيل وممارسة العنف والتكبر والكبر على خلق الله، بل إن البلاد لا تعانى من انتشار الجريمة بالمقارنة بدول أخرى تعمل فيها الشرطة بكامل كفاءتها ومع ذلك تعلن للمواطنين أنها غير مسؤولة عنهم بعد الساعة العاشرة مساء. أما فى مصر، فبعد غياب الشرطة، كان الناس كلهم مسؤولين عن بعضهم بعضا فى أى ساعة من ساعات الليل أو النهار، إلى جانب أن المجرمين الذين يتم القبض عليهم يثيرون الشفقة أكثر من إثارة الرعب أو الاحتقار أو الرغبة فى الانتقام. أرادت الشرطة المصرية أن «تعرفنا قيمتها» حين اختفت، فعرفنا قيمة أن يختفى هذا الجهاز من حياتنا.
«يعنى مش عايزة شرطة خالص؟».. طب وهى دى شرطة يا جدعان؟ دى عصابة، الداخل عندها مفقود والخارج مولود. يخبرنا السيد الرئيس الباشمهندز الدكتور محمد مرسى أنه استعاد الأمن والأمان بنسبة 85 فى المئة خلال المئة يوم! إن كان يقصد أمن الحاكم الذى لا يقوم إلا على قمع المتظاهرين، وفض الاعتصامات بالقوة، كما حدث فى اعتصام جامعة النيل، والتظاهرات أمام السفارة الأمريكية، وتخويف المواطنين وكسر أنوفهم إلى حد القتل كما حدث لفرارجى طهطا، ومواطن مرسى مطروح، وغيرهم ممن مات أو انتحر فى أقسام الشرطة لا لجريمة سوى أنهم قالوا للضباط: هو انتو لسه بتستخدموا أسلوبكو ده بعد الثورة؟ فما كان من كل ضابط وجهت له هذه العبارة إلا أن أوسع المواطن ضربا حتى أزهق روحه. إن كان السيد الرئيس يقصد هذا الأمن والأمان، نعم يا سيادة الرئيس الباشمهندز الدكتور، الشرطة المصرية عادت لسابق عهدها مع المواطنين تماما كما كانت قبل يوم 25 يناير.. لكن المواطنين بعد 25 يناير لم ولن يعودوا إلى المذلة.
التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.