د. أيمن الجندى| الفضائيون

د.-أيمن-الجندى

غارقٌ فى النبوءات القديمة. ممتلئٌ بمخطوطات الأقدمين أقرؤها بألفة عاشق قديم. أنا الذى يعرف عن الأزمنة السحيقة أكثر مما أعرفه عن عالمنا المعاصر. لا أعرف موضات الأزياء. لا أفهم لغة الشباب. لا أهتم بالتكنولوجيا الحديثة. ولكنى أعرف جيدا كيف كان أجدادى القدماء يفكرون! بم يحلمون! مم يخافون؟ كيف تلح مخاوفهم وتظهر فى أحلامهم. كابوس السقوط من مكان عالٍ يستيقظون بعده مذعورين، ما هو إلا استعادة خبرات أجدادهم المكنونة فى جيناتهم، الذين كانوا يلجأون للنوم فوق الشجرة خوفا من هجمة الضوارى المفترسة.

كان أجدادنا أشد اتصالا بالطبيعة وأكثر تأثرا بالليل والقمر والنجوم. قبل اكتشاف الكهرباء واختراع المصباح كان الليل محتفظا بكامل هيبته، ومن فوقهم القبة السماوية، والنجوم لامعة مكدسة كما لم نرها أبدا، ومنازل القمر كان لها عندهم شأن خطير. كانوا ينظرون إلى النجوم السحيقة، ولا يصدقون أن هذا الكون الشاسع المترامى الأرجاء مخلوق من أجلهم فقط، لذلك كانت لديهم نبوءة عن اليوم الموعود الذى يأتى فيه أبناء السماء لاحتلال الأرض! قرأتها فى نبوءات الكلدانيين والعبرانيين والأشوريين. قرأتها فى كل الأسفار القديمة، مسطورة على ورق البردى، محفورة فى أعماق الكهوف، بارزة على أعمدة الفراعنة، مراكب فضاء قادمة من السماء يرمقها أجدادنا الجاثون فى رهبة، وينتظرون تحديد مصيرهم من أبناء النجوم.

امتلأتُ بالحكايا، أُفعمتُ بالأساطير. يوما بعد يوم وعام بعد عام صرت أصدق كل حرف فيها. أنْ تجمع شعوب الأرض على اختلاف حضاراتهم على شأن ما، فذلك يعنى أن للنبوءة أصلا. آمنوا أنه ذات يوم آتٍ، لا شك فيه، سوف يأتى أبناء السماء، ذرارى الشمس والنجوم، من مجراتهم البعيدة وكواكبهم السحيقة ليهبطوا إلى الأرض ويتحكموا فيها، بقدراتهم الخارقة التى لا قبل لأهل الأرض بها، يُسخّرون الطبيعة ويستأنسون سكانها ويصنعون المعجزات.

ارفع رأسى للسماء وأناجيهم. سادة النجوم الذين لا شك يعرفون إخلاصى ويختبرون معدنى. انتظرتهم حتى وهن العظم منى ودبّ المشيب. لكن شيئا ما كان يحدثنى أننى لن أفارق الحياة قبل أن تتحقق النبوءة، فأراهم وأرحب بهم وأساعدهم بقدر ما تسمح به قواى الواهنة، وأمهد لهم الطريق. أنا الذى دنا فتدلى، واقترب فرأى، وشاهد فأمعن، أنا الذى لا ألتحف النجوم ولا أجعل حاجزا بينى وبين السماء.

أين أنتم أيها السماويون؟ محبكم الصادق يخشى أن تنصرم أيامه القليلة الباقية! وتنطفئ الشعلة الواهنة فى صدره ويكف قلبه المتعب عن الخفقان. أنا الذى هجرت قومى وأهلى من أجلكم. أنا الذى تبتلت فى محبتكم. أنا الذى امتحنت بالنار فى الإخلاص لكم. أرجوكم لا تُبطئوا المجىء.

وفجأة، وذات مساء سماوى، حينما استدار القمر، واكتمل البدر، وتوهجت النجوم. عرفت كل شىء وشاهدت كل شىء. رأيت أبا البشر مع زوجته الحسناء يهبطان من جنة عدن إلى الكوكب الأرضى. وفى لمحة خاطفة، أشبه بالرؤيا الصوفية، شاهدت أبناءهم وهم يكبرون وينتشرون. يسيطرون على باقى المخلوقات بالقوة تارة، وبالحيلة تارة، حتى أصبح الأحفاد سادة الكوكب بلا منازع.

استيقظت لاهثا أعبّ الهواء عبّا. كانت الحقيقة أمامى على مرمى حجر، ولكنى استغرقتُ عمرا فى الوصول إليها. الفضائيون أتوا فعلا وسيطروا على الأرض. إنهم نحن! السماويون هم نحن! ولكننا نسينا أصلنا السماوى!

المصدر : جريدة المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.