“شهادة وفاة” مصحوبة بالزغاريد والرقص والغناء

“شهادة وفاة” مصحوبة بالزغاريد والرقص والغناء

دستور-مصر

يندر أن تصدر شهادة وفاة على وقع الزغاريد والأغاني والرقصات والليالي الملاح، باستثناء الحالات التي يكون المتوفى حديثاً قد بالغ في الظلم أو أمعن في البغي أو أفرط في الغباء، وهو ما يجري حالياً مع انطلاق صفارة الحكم معلناً نهاية الاستفتاء على دستور مصر المعدّل ومن ثم البدء في إصدار شهادة وفاة رسمية لتجربة «الإخوان المسلمين» في حكم البلاد.
وتبقى الإجراءات المصاحبة للوفاة والفعاليات المتزامنة ورحيل شخص غير عزيز استأثر بالسلطة فطغى، وحكم فكذب، وبغى فعُزِل، قيد التفعيل في أعقاب انتهاء الخطوة الأولى من خريطة الطريق، عبر التأكد من حدوث الوفاة الكاملة وليست الإكلينيكية لإتمام عملية الدفن، والتأكد من أن المنتفعين والمتسلقين وهواة الربح السريع لن يتاجروا بأعضائه بعد ما نهشتها أمراض التمكين والتغليب والتهريب والتهمتها آفات «الأخونة» والتكفير، وقضمتها متلازمات «الشرعية والشريعة» و «الإخوان حموا الثورة» و «الجزيرة» والتسريبة، وقضى الحمل الكاذب بجنين «نحمل الخير لمصر» على ما كان يأمل البسطاء فيه خيراً ويستبشرون خلاصاً.
أسهل الإجراءات وأيسرها كان إصدار شهادة الوفاة الحكومية بإعلان الجماعة «إرهابية». وأصعب الإجراءات وأعسرها هو تأكد الأهل والأقارب من الدرجات الأولى من الكوادر والرعاة الإقليميين والحماة الدوليين من حدوث الوفاة، والثانية حيث القواعد والحرائر والمحبين والمحبات والمتعاطفين والمتعاطفات والحلفاء والمنتفعين من أن الموت السريري بات موتة بائنة لا رجعة فيها، والثالثة حيث الأقارب والمحيطون والمتعايشون من الشعب الذي كان أول من اكتشف العطب اللاحق بالأخوة والتغييب الحادث للأخوات والعلة العالقة بالنهضة والوهم المتمثل في «برنامج المئة يوم الأولى» والمسخرة المتصلة برؤى هزلية وأكاذيب خزعبلية وتهديدات إرهابية بالسحق والقتل والتفخيخ من قلب «رابعة» إلى ربوع مصر.
في ربوع مصر وقفت الملايين من ثالوث «الجيش والشرطة والشعب» مؤمنين مدافعين مستفتين لمشروع دستور مصر 2013 على مدى يومين شهدا سكرات موت عنيفة من قبل «الأخوة» بجهود تفجيرية ورصاصات ترهيبية ومسيرات تعطيلية وهتافات «ربعاوية» وتأكيدات لا معقولية وأكاذيب طفولية تحاول وتجاهد وتصارع من أجل مقاومة الدفن الذي هو إكرام الميت.
إعلان موت «الإخوان» يأتي هذه المرة من دون قرار رسمي مجهز، بل من قلب طوابير الاستفتاء المتراصة في أرجاء مصر، فلم يعد هناك مجال لأن يساور الشك قلب أحدهم وهو يطالع «الجزيرة» المؤكدة أن «مصر تقاطع الاستفتاء»، ولم تعد هناك فرصة تصديق لصفحات «الإخوان» التي تقسم بأن «أحداً لم يذهب للتصويت». هذه المرة صنع المصريون الحدث، وعاشوا الخبر، وأعلنوا النبأ، وخرجوا بالتحليل السياسي والتفنيد الاستراتيجي والتنظير الاجتماعي إضافة إلى شهادة الوفاة.
وفاة التنظيم أو الجماعة أو «الإخوان» أو المشروع تكللت باعتبارها العبارة الأكثر ترديداً وتداولاً وتدويراً في طوابير الاستفتاء، وهو ما قلب الآية الإعلامية، وبدل أن يبتكر أحدهم اللفظ على الهواء فيُعاد تدويره في القنوات ويتشبع به المشاهدون والمشاهدات، حدث العكس، إذ شعر به وأيقنه المشاركون والمشاركات، فقالوه ورددوه وكرروه إلى أن وصل إلى الشاشات.
الشاشات المصرية المحتفية بيومي الاستفتاء والشاشات الإقليمية المنددة تضامناً مع «الإخوان» حيث التغطيات الخبرية بعدم وجود ملامح لحدوث استفتاء ضلعت كلها مع بقية فئات الشعب المصري في إجراءات الدفن، بين مؤكد لتفعيلها وناكر لحدوثها ومحاول لدرئها ومعلن لوقائعها كاملة متكاملة. لكن وفاة الجماعة وانتقالها إلى مكان «أفضل» يستدعي الغسل قبل التكفين أملاً في التطهير وخوفاً من مغبة التسريب الذي قد يحدث رغم الإجراءات الوقائية والخطوات الاحترازية.
بائع الفول والفلافل الذي نقل نشاطه إلى واجهة إحدى أكثر اللجان ازدحاماً في حي مدينة نصر الذي يحوي ذكريات «رابعة» ومستوطنات الكوادر الهاربة ومعاقل «عماد الثورة الإخوانية» في جامعة الأزهر جنباً إلى جنب مع جموع المصريين اللافظين للجماعة برمتها قال أمس: «خلاص فهمنا الفولة. ستموت الجماعة كتنظيم قوي تاجر بالدين وغامر بالسياسة وانتحر بالطفاسة، لكنها ستنتج ذيولاً وبقايا كتلك التي يتركها الزبائن في طبق الفول، يفرقعوا بمبة هنا، يولعوا عربية هناك، ونحن مستعدون. ولنا في تفجير إمبابة صباح أول من أمس عبرة».
العبرة الآتية من إمبابة تلخصت في مشهد حي بثته الشاشات على الهواء قاطعة المجال أمام التكذيب والإنكار، وصورته كاميرات العابرين لقطع الطريق على «الجزيرة» و «رصد» و «إخوان أون لاين» و «الحرية والعدالة». فبعد دقائق من الانفجار الذي حطم واجهة محكمة شمال الجيزة في حي إمبابة صباح أول من أمس، كان المقهي المواجه للتفجير كامل العدد، والباعة المرابطون في المربع استهلوا يومهم التجاري، والمطعم المقابل يخلط الفول والفلافل لتجهيز ساندوتش «نابالم» مفخخ بالسعرات عامر بالتحبيشات لا يختلف كثيراً عن تهديدات «الإخوان»، وآخر «آباتشي» بالبيض والسجق والفول والبسطرمة وتفجير متوقع لا يقل وطأة عن تفجير إمبابة، بل يفوقه في المدى والأثر.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.