عرابي وشجرة المانجو – ريهام سعيد – جريدة الشروق

في الحقيقة أنا لست أهلا أبدًا للحديث عن الوطنية..
منذ كنت في الخامسة عشرة تقريبًا، وأنا أقول “الواحد يهاجر أستراليا ويبيع عجول هناك!” ولازلت أرغب بصدق في ذلك.. صدقوني الموضوع مربح جدًا، وأوبرا سيدني تستحق العناء.. أما الآن فأنا أحاول أن أكون أكثر جدية، فأنهي جميع النقاشات الجدلية السمجة عن أوضاع البلد والسياسة، ومأساة أن تتأكد من “مين اللي قتل مين”، بجملة ثابتة غير قابلة للتغيير: “كندا هي الحل.” لست وطنية بالشكل الكافي للحديث في موضوع وطني!
تاريخي التظاهري غير مشرف بالمرة، لم أحضر أي ضرب خرطوش، وهتفت مع الجماهير “الشعب يريد الغاز القديم”، مع أنني لم أستنشق الجديد أصلا، بل أنني لم أتحمل أكثر من دقيقة غاز قديم، وزي ما بيقولوا كدة “فيَّصت”، وظللت أتلوى على إثر تلك الدقيقة الملعونة أسبوعًا مرهقًا، لا أرغب في تذكره.
أنفي التهمة عن نفسي قبل أن أتحدث عن “عرابي”، لأنني بالفعل لست أهلا للحديث عن شخصية وطنية بهذا الحجم.. الصدفة البحتة هي التي جعلتني أقرأ مقالا عن سيرته، كلنا نعلم أن عرابي نفي للخارج، بعد تخفيف حكم الإعدام الصادر بحقه، كلنا نعلم أنه وقف في وجه الخديوي رافضًا أن نُسمى “عبيد إحسان”، وأنه قرر بعد ذلك ببساطة أن يحارب دولة! إلا أن الغرابة الحقيقية بقى، كانت في جملة وجدتها في نهاية المقال: “ولدى عودته من المنفى عام 1903، أحضر أحمد عرابي شجرة المانجو إلى مصر لأول مرة.”
عه؟! كيف ظهرت شجرة مانجو فجائية وسط الحرب، والدمار، والدسائس، والنفي، والأسى؟!
غيمة برتقالية ضخمة أمطرت فوق أنفي بعد قراءة الجملة، وتغيرت رؤيتي لهذا الرجل، ولكل شيء..
لماذا أحضر عرابي شجرة المانجو؟ هل المانجو في سيريلانكا بهذا الجمال؟ هل كل ثمرات المانجو اللي خدتها في الخباثة، وأكلتها في البلكونة سيرلانكية الأصل؟
ربما كان عرابي يراقبني في السماء، وأنا ألتهمها مبتسمًا قائلا في نفسه “كنت عارف إنها هتفرحكم.”
عرابي الذي قال عن نفسه: “رجعت إلى بلادي بعد عشرين سنة من النفي والأسى، وبنو وطني صاروا يعتقدون أني بعت بلادي للإنجليز، لأن بعض الصحف الفرنسية قالت ذلك!”
شخص ظلم بهذا القدر لماذا قد يخطر بباله، وهو يأكل المانجو في منفاه، إنها تستحق البذر في الأرض التي يحب؟ لماذا لايزال يحب هذه الأرض أصلا بعد كل هذا العناء؟ شخص آخر، مثلي مثلا، سيعود محملا بسخط لا نهائي، وحصيلة شتائم تمت نقاوتها بعناية.
حتى ولو كان يحاول أن يكون مثاليًا، كان يمكن أن يحضر معه أي شيء تذكاري والسلام.. أطباق موقعة من مسؤول سيريلانكي، قصيدة سيريلانكية في حب مصر، عباءة سيريلانكية مطرزة لمرات الخديوي، أي حاجة!
إنما أن يخطر بباله إحضار بذور شجرة مانجو؟ لا أجد مبررًا شخصيًا لهذه اللفتة سوى الصدق، وقدر لا بأس به من الطيبة، ربما رغبة طفولية محببة في تلوين العالم من جديد.
أشياء بسيطة كهذه قد تقنعني بالعظمة الحقيقية لأحدهم، أشياء لا تذكرها الكتب المدرسية التي ترسخ في أدمغتنا أول لقطة عن كل شيء، فجعلت التاريخ بالنسبة لي مادة مليانة حفظ وسخيفة.
أشياء لا تهم مدرس حكومي، يعمل كمحصل فواتير بقيمة 35 جنيهًا و40 قرشًا من كل طالب في المجموعة الإجباري بتاعت بعد الضهر، والذي سيصرخ في وجه طفل تلعثم في تذكر سنة قيام الثورة العرابية.. لن يحكي له حدوتة مدهشة عن عرابي، أو يخطر في باله ذكر معلومة مهمة خارجة عن المنهج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.