عمار على حسن يكتب | قصة لأطفال فلسطين (2-5)

عمار على حسن يكتب | قصة لأطفال فلسطين (2-5)

عمار-على-حسن

«هذه قصة للأطفال كتبتها عام 2001 من وحى انتفاضة الأقصى، ونالت جائزة هزاع بن زايد الإماراتية لأدب الأطفال، لكنها لم تنشر من قبل، وظلت حبيسة الأدراج ثلاثة عشر عاماً، وأجدها الآن مناسبة كى أهديها إلى أطفال فلسطين، الذين قتلتهم طائرة إسرائيلية بلا رحمة وهم يلعبون على شاطئ غزة فى براءة، غير عابئين بحسابات قساة القلوب ومظلمى العقول من دهاقنة السياسة وتجار الدم».

■ ■

وقف فى منتصف الصف، وقال والعيون تتابعه بلهفة:

«حين دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلى مدينتنا وسدت منافذ الشوارع الرئيسية كان أخى الأكبر محمود يعانى من نوبة ضيق التنفس الحاد التى تأتيه من حين إلى آخر. لكن حقن «الإيتافيللين»، التى يتعاطاها من أجل أن تزول هذه النوبة، كانت قد نفدت. كان علىّ أن أفعل شيئاً وأنا أسمع صراخ جدتى العجوز، التى بقينا معها بعد استشهاد أبى وأمى منذ خمس سنوات على أيدى الإسرائيليين عند أحد المعابر.

كانت أمى مريضة ومنعها الجنود من الوصول إلى المستشفى، وحاول أبى أن يقنع الجنود بألا يحتجزوهما طويلاً لأن حالتها خطيرة، لكن أحداً لم يستجب إلى توسلاته، فما كان من أبى إلا أن انقضّ على جندى منهم ضرباً وركلاً بعد أن فقد أعصابه، فأطلق الجنود النار عليه وعلى أمى.

كان علىّ أن أحاول إنقاذ حياة أخى وتهدئة خواطر جدتى المسكينة. نظرت من النافذة فوجدت أمام البيت دبابة وثلاثة جنود مسلحين بالرشاشات الآلية الخفيفة. رأيتهم يطاردون صبياً مقبلاً يحمل أرغفة أحضرها من عند أحد أقربائه لأهله المحاصَرين الذين لا يجدون شيئاً يأكلونه. أطلقوا الرصاص عليه ففر هارباً، وسقطت الأرغفة من يده، فراحوا يدوسونها بأحذيتهم الثقيلة. وحينها أدركت أننى لو هبطت إلى الشارع بحثاً عن صيدلية سيكون مصيرى مثل مصير الصبى. لكن اشتداد المرض على أخى ونحيب جدتى جعلنى أصمم على النزول لأحضر لأخى الدواء مهما كان الثمن.

جريت إلى غرفة نومنا الوحيدة. فتحت النافذة التى تطل على حارة ضيقة كانت خالية من الجنود والدبابات، فهى لا تتسع حتى لدبابة واحدة. أمسكت بماسورة الصرف الصحى المجاورة للنافذة، وهبطت عليها حتى وجدت قدمى راسخة على أرض الحارة. ورحت أجرى ناحية الشارع الخلفى الذى تقع فى منتصفه صيدلية صغيرة.

وما إن خرجت من ضيق الحارة حتى لمحت جنوداً كثيرين ودبابات وعربات مصفحة تقف هناك فى منتصف الشارع أمام باب الصيدلية المغلق. وقفت حائراً أقول لنفسى:

رجوعى بلا دواء يعنى الموت المحقق لأخى.

كانت الشمس قد غربت والليل راح يفرش رداءه الأسود على البيوت بعد أن قطع الجنود الإسرائيليون التيار الكهربائى، وأغرقوا المدينة كلها فى ظلام دامس. تذكرت أن أحد الصبية من أصدقاء أخى يعانى من نفس المرض الذى يصيب أخى، وجاءته النوبة يوماً وهو فى بيتنا، فجرى أخى إلى صيدلية الإسعافات الأولية الصغيرة المثبتة فى أحد حوائط صالة بيتنا، فتحها وأخرج منها علبة الحقن وإحدى السرنجات، ثم حقنه بالوريد فارتد إليه الوعى بعد أن كاد يدخل فى غيبوبة.

كان منزلهم فى هذا الشارع المملوء بالجنود، فانبطحت على الرصيف، ورحت أزحف ملتصقاً بالحائط، كى لا يرانى أحد منهم حتى وصلت إلى باب بيت صديق أخى. طرقته بهدوء، وسمعت صوتاً من الداخل يسأل:

من؟

فقلت وأنا ألهث:

أنا إياد.

فتحوا الباب لى. كنت متعباً وملابسى ملطخة بتراب الشارع وأوحاله، لكننى كنت سعيداً لأننى وصلت إلى المكان الذى سأجد فيه شفاء أخى العليل. طلبت الدواء منهم فأعطوه لى. وعلمنى صديق أخى فى دقائق معدودات كيف أجهز الحقنة، وكيف أغرسها بلطف فى الوريد أو فى العضل حتى تعود الحياة إلى أخى بعد أن بقى طويلاً على حافة الموت.

وخرجت من عندهم، وزحفت عائداً إلى الحارة الضيقة التى تمتد خلف بيتنا حتى وصلت إليها فرحت أنفض ملابسى وأنا أجرى مسرعاً حتى صرت واقفاً تحت نافذة شقتناً الكائنة فى الدور الثانى. ناديت جدتى بصوت خفيض، وطلبت منها أن تلقى إلىّ بحبل الكتان الذى اشتراه أخى، ليصنع به مقلاعاً نقذف به الأحجار على جنود الاحتلال.

رمت جدتى إلىّ بالحبل، فربطته بإحكام حول جذعى، وطلبت منها أن تربط طرفه الآخر فى السيخ الحديدى الذى يثبت ماسورة الصرف الصحى فى الحائط، وتسلقت صاعداً حتى وصلت إلى النافذة، وقفزت داخل غرفة نومنا. كان أخى قد أشرف على الموت، فعاجلته بحقنة فى الوريد، فأخذ يتعافى شيئاً فشيئاً حتى عادت إليه الحياة».

كان التلاميذ يتابعون إياد فى صمت وإعجاب، وحين انتهى من حكايته انطلقوا فى تصفيق حار له. وقال له المدرس:

حقاً إنك بطل مغامر.

فتمتم إياد إليه بامتنان، ثم قال وهو ينظر إلى أستاذه وزملائه:

أشكركم جميعاً، فما فعلته يُعد قليلاً بالنسبة لما قام به أطفال وصبية آخرون.

(ونكمل غداً إن شاء الله تعالى).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.