عمرو الشوبكى يكتب | مشاهد أمريكية

عمرو الشوبكى يكتب | مشاهد أمريكية

عمرو-الشوبكى

(1)

زيارة الرئيس السيسى للولايات المتحدة كانت كاشفة لأوضاع داخلية وخارجية كثيرة. فعلى المستوى الخارجى، كان هناك تحول واعتراف واقعى بالنظام الجديد فى مصر، بعد أن تيقن الأمريكان والقوى الغربية أن هناك ظهيرا شعبيا للرئيس المنتخب، وأن مصر دولة إقليمية كبرى من المهم الحفاظ على استقرارها وليس بالضرورة تقدمها، (لأنه قضية تخص شعبها)، وأن الحرب على الإرهاب لن تنجح إلا بكيان مصرى متماسك وقوى.

أمريكا أقرت بالتحول الذى حدث فى مصر، وتعاملت معه بإيجابية وفق مصالحها الاستراتيجية، وتخلت عن مشروع الدعم «غير المشروط للإخوان» وبدأت فى التعامل بشكل واقعى مع الأحداث، ودون أن تنسى أن ما جرى فى مصر لم يكن على هواها، ومَثَّل بديلا عكسيا للمشاريع الأمريكية فى المنطقة من دعم المجاهدين فى أفغانستان فى الثمانينيات، حتى مشروع الفوضى الخلاقة وتفكيك الدولة فى العراق.

(2)

المشهد الثانى هو ما جرى لبعض أعضاء الوفد المصرى غير الرسمى الذين ذهبوا إلى أمريكا دعماً للرئيس، وتعرض بعضهم لاعتداءات وشتائم بذيئة ومتدنية من قِبَل مجموعات إخوانية قليلة العدد طويلة اللسان.

ما شاهده المصريون على شاشات التليفزيون وعلى المواقع الإلكترونية وما تناقلته الصحف يدل على عمق حالة الكراهية الإخوانية تجاه الشعب والدولة، وهى حالة غير متكررة لدى أى فصيل سياسى فى تاريخ أى مجتمع، فكراهية النظام السياسى أو حتى الدولة فى حالات النظم الاستبدادية أمر وارد، ولكن كراهية الناس، لأنهم اختاروا خيارا مخالفا، تعكس أزمة عميقة فى وجدان عضو الجماعة وعلاقته بوطنه وشعبه ومن يختلف معه فى الرأى.

المشهد الصادم هو ليس فقط سيل الشتائم والبذاءات التى ألقاها الإخوان على بعض المصريين حين وصلوا إلى مطار نيويورك، إنما أيضا هذا الانسحاق والنفاق الإخوانى أمام رجال الشرطة الأمريكيين حين هرعوا إلى مطار نيويورك لحماية الوفود المصرية.

«بارك الله فى أمريكا»، و«هذا بلد الحرية»، و«تحت أمرك سيدى»، و«سننصرف حالًا»، و«نحن نحب أمريكا حباً كبيراً»، و«هذا بلد الحرية وليس مصر».. هذه بعض الجمل التى قالها عناصر الإخوان لرجال الشرطة الأمريكيين وتناقلها بالفيديو مختلف الصحف المصرية، ونسوا ما قالوه عن أمريكا الصليبية الصهيونية.

إنها حالة من الاستضعاف المهين أمام الأمريكى (الذى يُذَكِّرك بسلوك كثير من الإخوان قبل وصولهم للسلطة)، ثم تحولهم المفاجئ حين وجهوا كلامهم (سبابهم) لأبناء وطنهم، وفى حق ناس خالفوهم فى التوجه، ولم يحرضوا كما فعلوا هم على قتلهم.

«سنعدمكم يا خونة» هذه جملة قيلت إلى ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم»، الذى اختار فى عز حكم الإخوان أن يواجههم ويختلف معهم، وإلى عماد الدين حسين، المتهم بالموضوعية والمهنية، وفتح باب «الشروق» لآراء تعبر عن رؤى قريبة من الإخوان، وهم فى طريقهم لتغطية أعمال المؤتمر.

هل تخيل معارض واحد لمبارك أن يقول هذه الجملة لأى رئيس تحرير سابق من مؤيديه على مدار ثلاثين عاما؟ هل وصلت الكراهية بأشد معارضى مبارك أن يقول مثلا لإبراهيم نافع أو سمير رجب أو إبراهيم سعدة: «سنعدمكم يا خونة» فى عز حتى ثورة يناير أم أن المحاسبة كانت على تهم فساد ووفق القانون والقضاء؟

السلوك الإخوانى فى أمريكا مشين، ويدل على عمق الأزمة بسبب التربية الخاصة التى تربى عليها عضو الجماعة، فالوطن والدولة غير موجودين، لأن الجماعة هى الحاضنة وليس الوطنية المصرية، والأناشيد التى اعتادوا أن يرددوها ليست هى الأناشيد التى يرددها كل المصريين، والعزلة الشعورية عن المجتمع والاستعلاء الإيمانى عن باقى خلق الله (تعبير سيد قطب) جعلا الإخوانى لا يختلف مع مصريين (يفترض أنهم مثله)، إنما مع أعداء يُكَفِّرهم تارة أو يُخَوِّنهم تارة أخرى، وهذا على عكس تاريخ كل المعارضين للنظم السابقة فى مصر من شيوعيين وليبراليين وناصريين، فلم يتمن أحد لجيش بلده الهزيمة، ولم يشمت فى شهداء وطنه، ولم يطلب إعدام صحفيين جريمتهم أنهم قاموا بعملهم، وخالفوهم فى التوجه.

(3)

المشهد الثالث هو التغطية الإعلامية لزيارة الرئيس، ففى المجمل يمكن وصفها بأنها كانت «مباركية بامتياز»، فتقريبا نفس الآليات التى حكمت التغطية الإعلامية السابقة تكررت مرة أخرى، مع فارق أساسى، أن هناك مشاعر دعم وطنية وصادقة عبر عنها الكثيرون، فغلب الوجه الاحتفالى على الوجه المهنى.

وقد تحولت الزيارة إلى مجرد تغطية فقط لما يقوله الرئيس، أو أن رئيس أمريكا هو الذى طلب مقابلته، (وفق العقد الشكلية التى نهتم بها)، وكم رئيس دولة استقبله، وهى أمور متكررة فى أى زيارة لأى رئيس دولة إلى الأمم المتحدة، لأنها فرصة للتشاور والحوار.

التغطية الحالية لزيارة الرئيس لأمريكا ذكرتنى بمديرى مكاتب الصحف القومية ووكالة أنباء الشرق الأوسط فى أمريكا وأوروبا فى عهد الرئيس السابق مبارك حين كانت الأخبار التى تعنيهم هى فقط زيارة الرئيس والمسؤولين المصريين لهذا البلد أو ذاك وأنشطة السفير ورجال الأعمال المصريين المقيمين هناك، أما المجتمع الذى ذهبوا لتغطية تفاعلاته ومتابعة أخباره فقد غاب تقريبا عن تقاريرهم إلا ما يتعلق بالإشادة بدور مصر وحكمة الرئيس.

والمؤكد أن خطاب الرئيس فى أمريكا ولقاءاته يجب أن تحتل جانبا رئيسيا من التغطية الإعلامية، ولكن من المؤكد أيضا أنه أفيد لمصر أن يكون هناك حوار وتغطية لما قالته مجموعات الضغط الرافضة للسياسات المصرية، وحوارات مع الباحثين المتخصصين فى الشأن المصرى (تيار واسع يختلف مع المسار الحالى)، كبار المحررين فى الصحف الأمريكية وماذا قالوا عنا، ما القوى التى تتحرك ضدنا؟ وهل مازال هناك تأثير للإخوان على مراكز صنع القرار أم لا؟ وهل أخذ هذا التأثير شكلا جديدا؟ وماذا يقول؟ وما أهم الانتقادات التى توجه لنا؟ وهل حاول المصريون الذين ذهبوا أن يشكلوا قوة ضغط على الإدارة الأمريكية وانتهاز فرصة الحرب الثانية على الإرهاب لتعظيم مكاسبنا؟

البعض سيقول إن هذه مهمة الرئيس والسفارة، وهو صحيح، ولكن ليس فقط، لأن هناك أدواراً قد تكون أكثر أهمية للمجتمع ولنخبته، فدعونا نتأمل ماذا يفعل مراسلو الصحف الأمريكية والأوروبية فى مصر، وكيف يغطون ويشرحون مجتمعنا وفق تصوراتهم (ليست قضيتهم السفير الأمريكى ولا الحديث عن عمق العلاقة بين البلدين)، ونقارنه بما كتبناه عن زيارة الرئيس لأمريكا لنكتشف أننا مازلنا بعيدين جدا عما يجب أن أن نراه فى أى إعلام مهنى حديث.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.