عمرو الشوبكى يكتب | ملء الفراغ

عمرو الشوبكى يكتب | ملء الفراغ

عمرو-الشوبكى

البعض يتصور أن نجاح الثورة يتمثل فى إسقاط النظام القديم، والتخلص من كل رموزه، وينتهى الأمر عند هذا الحد، وينسى أو يتناسى أن نظام مبارك لم يكن مجرد أشخاص أو رموز، إنما شبكات متشعبة من المصالح والعلاقات الاجتماعية، كثير منها تقليدى ومرتبط بطبيعة مجتمع نام مثل مصر، وبعضها الآخر فج فى فساده وفى سوء إدارته، كما أن نظام الإخوان كان تعبيرا عن جماعة عقائدية مغلقة تكره الدولة والمجتمع، وبها عشرات الآلاف من الأعضاء العاملين (يقدرون بحوالى 100 ألف عضو عامل فى الجماعة) انتشر كثير منهم فى أجهزة الدولة ومؤسساتها بغرض السيطرة والتمكين، وحاولوا أن يملأوا الفراغ الذى تركه استبعاد بعض رموز نظام مبارك.

 

 

معادلة التغيير تبدأ بقدرة أى تيار على ملء الفراغ الذى يحدثه سقوط أو تغيير أى نظام سياسى، فسقوط مبارك بفضل شيخوخة نظامه أساسا صور للبعض أنهم قادرون على إسقاط كل شىء وهدم كل شىء دون تقديم بديل واحد لأى شىء، فى حين أن جماعة الإخوان التى لم تشعل الثورة ولم تدع إليها واستبعدت بعض شبابها الذين شاركوا فيها نجحت فى الوصول إلى السلطة وفق نظرية «ملء الفراغ» الشهيرة، فليس مهماً أن تكون ثائرا ولا نبيلا إنما أن تتحين الفرصة لكى تنقض على السلطة، وتملأ الفراغ الذى ترتب على سقوط النظام القديم.

 

 

ولذا لم يكن غريبا أن يكون الإخوان من أكثر المحرضين فى السر ضد الجيش، وفى العلن على فلول الحزب الوطنى، ليس عن إيمان بمدنية الدولة ولا بموقف ثورى من رجال النظام القديم إنما لتسهيل عملية ملء الفراغ الذى سيحدثه إقصاء المناوئين بدواعٍ مختلفة.

 

 

ملأ الإخوان الفراغ على مدار عام واكتفت بعض القوى المدنية والائتلافات الثورية بالهتاف ضد العسكر وضد دستور 71 وضد الحزب الوطنى وضد النخبة السياسية دون أن تقدم بديلا، فكل حجر سقط وضع الإخوان آخر بديلا له.

 

 

وتكرر نفس الأمر بعد 3 يوليو فقد نزلت الملايين فى الشوارع ضد حكم الإخوان، ولم تجد قوة منظمة تترجم رغبتها فى إنهاء هذا الحكم إلا الجيش، فلم يكن هناك حزب أو مؤسسة سياسية قادرة على أن تملأ الفراغ الذى ترتب على سقوط حكم الإخوان إلا الجيش.

 

 

صحيح أن البعض عاد وتباكى على ضياع الدولة المدنية، والبعض الآخر اعتبر أن ما جرى فى 3 يوليو انقلاب، والبعض الثالث تصور أنه فى السويد وأن الإخوان كان يمكن أن يتركوا السلطة بالوسائل الديمقراطية وباستفتاء شعبى دون تدخل الجيش. كل هذه البكائيات لن تغير من الصورة شيئا، وأن القوى المدنية والديمقراطية لم تنجح حتى الآن فى ملء أى فراغ شهدته مصر منذ ثورة 25 يناير حتى الآن، فلم تكن هى الطرف الرئيسى فى معادلة ما بعد مبارك، إنما كان المجلس العسكرى بضعفه فى مواجهة تنظيم الإخوان المسلمين، والآن يتصور البعض أن رفضه للمسار الحالى وعجزه عن ملء الفراغ الذى سيترتب على فشل هذا المسار سيصب فى خانة أحد آخر غير الإخوان.

 

 

المؤكد أن المسار الحالى ليس منزها بل هو ملىء بالسلبيات، ومهدد بأخطار كثيرة ويجب إصلاحه قبل فوات الأوان، خاصة فى ظل حالة الثقة الزائدة التى يبديها بعض القائمين عليه وتذكرك بأيام مبارك، إلا أن هذا يعنى أنك لكى تعدل وتصلح هذا المسار لابد أن يكون فى يدك أوراق وبدائل تملأ بها الفراغ الذى ملأه تدخل الجيش فى 3 يوليو، ومعه قطاع زائد من بيروقراطية الدولة، فتبنى أحزابا قادرة على الحكم والمعارضة وليس واحدا منهما فقط.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.