عمرو حمزاوى | ليس باستبداد أو بتبعية لحروب الغرب أو بطائفية الأشقاء

عمرو حمزاوى | ليس باستبداد أو بتبعية لحروب الغرب أو بطائفية الأشقاء

عمرو حمزاوي

وفقا للبيانات العالمية المتعلقة بالصراعات المسلحة بين الدول الوطنية والحروب الأهلية داخل الدول الوطنية وأعمال الإرهاب والعنف ومعدلات الإنفاق الحكومية وغير الحكومية على السلاح، تعد بلاد العرب اليوم ومعها جوارها الإقليمى المباشر أكثر مناطق الكرة الأرضية معاناة وأعلاها إنفاقا على السلاح (منسبا إلى مستويات الناتج القومى) وأشدها تعرضا للتداعيات السلبية المتمثلة فى ارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التصفية الدينية والمذهبية والعرقية والتهجير القسرى والنزوح وفرض اللجوء على قطاعات سكانية كبيرة وانتهاكات الحقوق والحريات.

وفقا للبيانات العالمية المتعلقة بكثافة التدخل الأجنبى العسكرى / الاستخباراتى / السياسى / الاقتصادى ومداه الزمنى والمكانى، تصنف بلاد العرب دون جوارها الإقليمى كواحدة من أكثر مناطق الكرة الأرضية تعرضا للتدخل الأجنبى بأنماطه المختلفة إن من قبل قوى دولية كبرى أو من قبل قوى إقليمية وكساحة رئيسية لفعل الجيوش الأجنبية وانتشار قواعدها العسكرية منذ 1990.

وفقا للبيانات العالمية المتعلقة بالدول الوطنية المنهارة والمنقسمة والمفككة والفاشلة وكذلك الدول المهددة بالفشل، تدرج هنا أيضا بلاد العرب كمنطقة منكوبة بصومال زال وجوده وبسودان انقسم وبمؤسسات دول وطنية مفككة فى العراق وسوريا واليمن وليبيا وبلبنان تسيطر على مؤسسات دولته ومجتمعه قوى طائفية وحركات مسلحة وبدول ومجتمعات يتهددها الفشل لشيوع الاستبداد والإرهاب والعنف والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وفقا للبيانات العالمية المتعلقة بمستويات الناتج القومى ومعدلات التنمية المستدامة والتقدم المعرفى والعلمى والتكنولوجى وتوفر خدمات التعليم والرعاية الصحية والحدود الدنيا من حقوق الرعاية الاجتماعية التى تكفل كرامة الإنسان، تتذيل بلاد العرب دون جوارها الإقليمى الإيرانى والتركى (ودون إسرائيل) القوائم – وتستثنى فقط دول الخليج المعتمدة على ريع الثروات الطبيعية فيما خص مستويات الناتج القومى وتوفر الخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية.

وفقا لقياسات مباشرة لمؤشرات الصراعات والحروب والإرهاب ولمؤشرات التدخل الأجنبى وانهيار وفشل الدول الوطنية وتحليل لعلاقة كل ذلك بشيوع الاستبداد وغياب التنمية والتقدم فى بلاد العرب، يثبت بما لا يدع مجالا لاستنتاج مغاير تلازم هذه الظواهر كافة وارتباطها طرديا وجدليا ببعضها البعض – أى أن الصراعات والحروب والإرهاب صنعت بيئات مواتية للتدخل الأجنبى، وحركة الجيوش الأجنبية غزوا واحتلالا وعدوانا وحربا أمريكية وغربية على «الإرهاب» عمق من الصراعات والحروب الأهلية ومكن التنظيمات الإرهابية وجماعات العنف من الاستمرارية الزمنية والتوطن فى أماكن مختلفة. أى أن عوامل كالصراعات والحروب والتدخل الأجنبى عجلت بانهيار الصومال وانقسام السودان وتضع اليوم العراق وسوريا واليمن وليبيا تحت مقصلة تفتت مؤسسات الدولة الوطنية والمجتمع وتواجه غيرهم بأزمات ممتدة، إلا أن انهيار الدولة الوطنية وتعرضها لمعاول التفتيت ما كان له أن يحدث دون شيوع الاستبداد وغياب الديمقراطية والتنمية. أى أن عوامل الاستبداد وغياب الديمقراطية والتنمية تهدد الدول الوطنية بالانهيار والفشل وتستدعى كوارث التدخل الأجنبى والإرهاب، وهما بدورهما يسرعان من الزج بالدول الوطنية ومجتمعاتها إلى المصائر السوداء هذه.

لن ننجح فى «حرب على الإرهاب» يسيرها التدخل الأجنبى ويختزلها فى توظيف للأدوات العسكرية والأمنية، لن ننجح فى «حرب على الإرهاب» تتجاهل العلاقة الطردية والجدلية بين متلازمات الاستبداد وغياب الديمقراطية والتنمية والتدخل الأجنبى وبين تنامى الإرهاب والحروب والصراعات وإعمال معاول التفتيت فى الدول الوطنية. مجددا أسجلها، وأسجل أن دور مصر الحقيقى هو مواجهة الإرهاب ولملمة أشلاء الدول الوطنية فى بلاد العرب ليس بالتبعية لقوى التدخل الأجنبى أو للقوى الإقليمية التى تستدعيهم وتمارس التصنيف الطائفى والمذهبى لشعوبنا أو بقبول التعويل الأحادى على الأدوات العسكرية والأمنية، بل بتقديم نموذج ناجح لدولة وطنية عادلة بالقانون وديمقراطية بالمشاركة الشعبية وتداول السلطة وقبول التعددية وتنموية بإطلاق المبادرة الفردية ورعاية العدالة الاجتماعية وإنسانية باحترام الحقوق والحريات ونشر التسامح ومواجهة فكر التطرف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.