عمرو حمزاوى يكتب | أفكار ومقولات مشوهة

عمرو حمزاوى يكتب |  أفكار ومقولات مشوهة

عمرو حمزاوي

خلال السنوات الماضية، لم يتوار أبدا حديث بعض المفكرين والكتاب والسياسيين عن عدم جهوزية مصر وشعبها للديمقراطية. هؤلاء دفعوا بأن معدلات الأمية والفقر المرتفعة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المتراكمة وإشكاليات الثقافة السياسية التى اعتادت الاستبداد وتحديات الأمن القومى المصرى الإقليمية والدولية تحول مجتمعة دون بناء الديمقراطية، وأسسوا بذلك إما للمطالبة ببقاء الحكم السلطوى دون تغيير أو لاستشراف الإخفاق الحتمى لمساعى التحول الديمقراطى أو ــ وهو الأخطر ــ لتبنى رؤية مشوهة ومنقوصة للديمقراطية والعمل على إقناع قطاعات شعبية واسعة بأن «ديمقراطية كتب الفلسفة والعلوم السياسية» غير ممكنة بين ظهرانينا. وللأسف، أضحى الكثير من الأفكار والمقولات المرتبطة بتلك الرؤية المشوهة والمنقوصة للديمقراطية يسيطر على الرأى العام ويحدد الخطوط العريضة لوعى المواطن.

اليوم، يعتقد الكثير من المصريات والمصريين زيفا أن ارتفاع معدلات الأمية يلزم بعدم الاعتماد المطلق على الانتخابات كآلية لتداول السلطة والمشاركة الشعبية، ويوافق على ضرورة التمييز أمام صناديق الاقتراع بين أصوات المتعلمين وأصوات غير المتعلمين (صوت للمتعلم مقابل نصف صوت لغير المتعلم). والحقيقة هى أن التعليم والوعى السياسى لا يرتبطان بعلاقة طردية إيجابية، وأن وعى المواطن المتعلم وغير المتعلم يتطور مع كل انتخابات تعددية ونزيهة يشارك بها.

اليوم، يعتقد الكثير من المصريات والمصريين زيفا أن الفقر المنتشر يمكن أطياف اليمين الدينى من التغلغل فى الخريطة المجتمعية عبر تقديم الخدمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وعبر توظيف الدين فى السياسة ويحد فى المقابل من فرص المجموعات الليبرالية واليسارية فى الحصول على تأييد شعبى، ويجبر من ثم على التحجيم غير الديمقراطى لليمين الدينى وعلى استدعاء المكون العسكرى ــ الأمنى لتنفيذ التحجيم هذا وإدارة السياسة على نحو يمكن المجموعات الليبرالية واليسارية من العمل والفعل. والحقيقة هى أن تقديم الخدمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية يعد أداة سياسية وانتخابية فى كل المجتمعات، غنية وفقيرة، وأن التحدى الموضوعى هو كيفية وضع ضوابط قانونية وعملية تضمن الشفافية وغياب الفساد. والحقيقة أيضا هى أن التحجيم غير الديمقراطى لليمين الدينى يزيد ولا ينتقص من تغلغله المجتمعى، وأن استدعاء الليبراليين واليسار للمؤسسة العسكرية أو للمكون العسكرى ــ الأمنى يقضى على فرصهم فى العمل المجتمعى والسياسى المستقل ويحولهم إلى مستتبعين من قبل الحكم ويذهب لدى الرأى العام بمصداقيتهم ويضعهم فى خانة الوهن المستمر ويؤسس لاستمرار ثنائية إما المكون العسكرى ــ الأمنى (القوى) أو اليمين الدينى (المعارض) التى تعيش بها مصر منذ خمسينيات القرن العشرين.

اليوم، يعتقد الكثير من المصريات والمصريين زيفا أن الأوضاع المتدهورة والأزمات المتراكمة وتحديات الأمن القومى الإقليمية والدولية تحتم الاعتماد على المؤسسة العسكرية فى إدارة شئون البلاد وتحتم أيضا تأييد المرشح الرئاسى ذى الخلفية العسكرية كمرشح الضرورة والوحيد القادر على إخراج مصر من الأزمات، وأن حقوق الإنسان والحريات والوضعية الديمقراطية ــ الاحترافية للمؤسسة العسكرية وللأجهزة الأمنية تمثل فى أحسن الأحوال قضايا مؤجلة إذا ما قورنت بالأمن والاقتصاد أو تعد من قبيل الترف الذى يمكن تجاهله إذا ما قورن بتحديات الأعمال الإرهابية والعنف والفقر والخدمات الأساسية المنهارة. والحقيقة هى أن الاعتماد على الجيوش فى الحكم يميت السياسة ويذهب بها بعيدا عن الإدارة الناجحة للأزمات، واختزال الوطن فى شخص واحد يفرض الصوت الواحد والرأى الواحد وينهى فرص بناء الديمقراطية ويجدد ثقافة الاستبداد والسلطوية، وتجاهل الحقوق والحريات والعصف بالقانون والإنسانية يطيلان من عمر تحديات التدهور الأمنى والاقتصادى وأخطار الإرهاب والعنف.

جميع هذه الأفكار والمقولات المشوهة تعود إلى مفكرين وكتاب وسياسيين، بعضهم يدعى الدفاع عن الديمقراطية والبحث عن إنجاح تحولاتها، وهم فى الحقيقة يزيفون وعى الناس وينتجون رؤية منقوصة لديمقراطية مجردة من المضمون ويدفعون بمصر إلى المزيد من الاستبداد والسلطوية.

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.