عمرو حمزاوى يكتب | الاقتراب اليومى من المواطن

عمرو حمزاوى يكتب |  الاقتراب اليومى من المواطن

عمرو حمزاوي
إذا كان تطوير أجندة اقتصادية واجتماعية واقعية يمثل شرطا أساسيا لتجاوز القوى المدافعة عن التحول الديمقراطى وحقوق الإنسان والحريات لوضعية الوهن الراهن، فإن الاقتراب اليومى من أولويات ومتطلبات وهموم المواطن وما يستتبعه من بناء ثقته بشأن قدرة «الديمقراطيين» على النظر إليه بجدية يمثل شرطا أساسيا إضافيا.

فالقراءة الموضوعية لخبرة السنوات الثلاث الماضية تثبت، أولا، أن أجندة الحقوق والحريات والعدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين فى الانتهاكات والفساد لم تكن بكافية لرسوخ الالتفاف الشعبى حول القوى الديمقراطية.

ثانيا، ترتب على التركيز الأحادى على المسألة الدستورية والقضايا السياسية وعدم الالتفات إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية انصراف الناس عن حلم التحول الديمقراطى وعودة قطاعات شعبية واسعة إما إلى تفضيل خطاب «الاستقرار» (الذى وظفه المجلس العسكرى ثم الإخوان ثم الحكم الحالى بكثافة) وإما إلى الاستقالة من الشأن العام أو إلى البحث عن البطل المخلص.

ثالثا، مكن اختزال القوى الديمقراطية لحضورها فى المساحة العامة فى النشاط الاحتجاجى للدفاع عن الحقوق والحريات وفى المشاركة فى الاستحقاقات الانتخابية أو مقاطعتها، بينما غاب دورها التنموى واتصف نشاطها الهادف إلى التعامل مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية بالمحدودية الشديدة ــ الحكم من الضغط المستمر لتهجير «الديمقراطيين» من المساحة العامة. ولذات السبب نجح الحكم فى حشد التأييد الشعبى لعملية التهجير هذه عبر صناعة صور ذهنية سلبية عن «أولئك المترفين غير المهتمين بأحوال الناس اليومية» أو عن «أولئك المخربين الذين لا يريدون للناس الأمان ولا لمصر الاستقرار» أو عن «أولئك المحتجين دوما بلا إسهامات إيجابية»، وغيرها من الصور التى تنتجها الآن يوميا وسائل الإعلام المؤيدة للسلطة وأقلام الكتاب والسياسيين المتحالفين معها.

رابعا، ارتبط إخفاق القوى الديمقراطية خلال السنوات الثلاثة الماضية فى تكوين تحالفات مجتمعية مستقرة تتبنى أجندة الحقوق والحريات وتواجه التحالفات الأخرى المدافعة دوما عن الحكم أو عن الإدارة السلطوية للدولة وللمجتمع أو المتبنية لرؤى رجعية بالاختفاء شبه الكامل «للديمقراطيين» من السياقات المحلية التى تتقاطع مع أولويات ومتطلبات وهموم المواطن وتسمح بتنزيل السياسة من علياء المسألة الدستورية والقضايا الكبرى إلى حياة الناس اليومية.

فإذا أضفنا إلى هذه الاستخلاصات حقيقة أن الكثير من شروط التنافس الفعلى فى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تبدو غائبة وأن قدرة «الديمقراطيين» على اختراق المساحات السياسية والإعلامية فى ظل التداخل بين السلطة والمال وسطوة التيار العام الذى ينتج الصور الذهنية السلبية عن أجندة الحقوق والحريات، يصبح من الضرورى أن تفكر القوى الديمقراطية بجدية فى البناء على المدى المتوسط والطويل. الشروط هى المزج بين الأجندة الحقوقية وبين أجندة اقتصادية واجتماعية واقعية، وفى اختبار ذلك فى السياقات المحلية بهدف بناء ثقة المواطن وتقديم حلول حقيقية لأوضاعه المتردية، ومن ثم العودة بعد سنوات قليلة إلى محاولة اختراق المساحة السياسية والإعلامية والمنافسة بقوة فى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.