عمرو حمزاوى يكتب | البارانويا تتمكن منا

عمرو حمزاوى يكتب | البارانويا تتمكن منا

عمرو حمزاوي

ليست منظومة الحكم/ السلطة بمفردها هى التى تخضع المواطن عبر أجهزتها الأمنية والاستخباراتية «وأحيانا العسكرية» للمراقبة الدائمة وتجرده بذلك من بعض الحقوق والحريات الأساسية وتحوله إلى فرد «مشكوك فى أمره» ومهدد بالقمع والتعقب. فإدارات المصالح الحكومية والمؤسسات العامة تراقب أيضا موظفيها، وإدارات الجامعات الحكومية تراقب أعضاء هيئة التدريس والعاملين والطلاب، وتتواتر هذه الأيام التقارير الصحفية عن الاعتماد على خليط من أدوات المراقبة القديمة والحديثة ــ إعادة الأجهزة الأمنية إلى الجامعات، تكليف بعض الموظفين والعاملين والطلاب بمهام المرشدين/ المخبرين لمراقبة زملائهم أثناء ساعات العمل/ الدراسة ووضعهم على تواصل مستمر مع الإدارات الحكومية والجامعية والأمن من ورائهم.

ليست منظومة الحكم/ السلطة بمفردها هى التى تبرر مراقبتها الدائمة للمواطن وتخصيصها الأموال للحصول على تكنولوجيات المراقبة الحديثة بدلا من توجيهها لتحسين الظروف المعيشية للناس بنشر لبارانويا الخوف من «الأعداء والخونة والمتآمرين» وخطر «الفوضى والمؤامرات» ومقولات «الحاكم يعرف ويدرك وأنتم لا تعرفون ولا تدركون» وتعميم الانصياع لإرادته كضرورة وطنية. فإدارات المصالح الحكومية والمؤسسات العامة والإدارات الجامعية تنشر نفس بارانويا الخوف والخطر، وتوظفها لإقصاء المعارضين والخارجين عن سرب الرأى الواحد والصوت الواحد «المفروض من أعلى» دون أن يكون هؤلاء قد خالفوا القانون أو أخلوا بمقتضيات السلمية. ثم تصطنع فئات مجمعة لتصنيف المعارضين كأعداء/ خونة/ متآمرين، ولتبرير ممارسات إقصائية أشبه بمحاكم التفتيش تعصف بالعدل وبالقواعد القانونية المستقرة. هنا موظفون منتمون للإخوان، وهنا عناصر متعاطفة ومستترة مع الجماعة، وهنا أعضاء هيئة تدريس يفسدون الطلاب بالحديث فى قضايا الحقوق والحريات وفى أمور «السياسة»، وهنا طلاب فوضويون وطابور خامس، وجميع هذه الفئات ينبغى مراقبتها أولا وإقصاءها ثانيا وقمعها وتعقبها ثالثا دون اعتبار لقيمة العدل أو للحق فى الاختلاف بسلمية.

ليست منظومة الحكم/ السلطة بمفردها هى التى تخلق البيئة المجتمعية المريضة الراهنة ــ مريضة بالمراقبة وبترويج الاتهامات المسبقة ضد مواطنات ومواطنين جريمتهم تتمثل فى الاختلاف والتعبير السلمى عن الرأى، مريضة ببارانويا الخوف والخطر وصناعة الأعداء المتوهمين، مريضة بممارسات العقاب الجماعى. فإدارات المصالح الحكومية والمؤسسات العامة والإدارات الجامعية تقوم بكل ذلك أيضا، وتصدره باتجاه الرأى العام كفعل تماهى مع إرادة الحاكم وترجمة لتوجهاته وسياساته و«عمل وطنى» لإنقاذ الدولة والدفاع عن المجتمع ودحر الأعداء المتوهمين.

وتتضاعف المأساة لأن منظومة الحكم / السلطة بمشاركة الإدارات الحكومية والمؤسسات العامة وإدارات الجامعات وبدور بالغ السلبية لوسائل الإعلام العامة والخاصة تفرض عوامل المرض على القطاع الخاص، وعلى التجمعات الطوعية للمواطنات والمواطنين (منظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية)، وعلى المجال الخاص للمواطن ولترابطاته الشخصية والأسرية وتعرضه لبارانويا الخوف والخطر. تتضاعف المأساة لأن البيئة المجتمعية المريضة تستنزف الحكم فى أعمال المراقبة والقمع والتعقب وتحد كثيرا من طاقات تطوير رؤية شاملة للتقدم والانفتاح على حتمية الربط بين تقدم الدولة والمجتمع وبين العدل والديمقراطية، وتباعد بين الإدارات الحكومية والجامعية والمؤسسات العامة والقطاع الخاص وبين الاضطلاع بدورهم الطبيعى فى صناعة التقدم وتنفيذه، وتلهى المواطن بحروب متوهمة مع أعداء متوهمين بينما واجبنا جميعا هو أن نواجه الظلم والإرهاب والفقر والجهل وانتهاكات الحقوق والحريات وهم الأعداء الحقيقيون لدولة وطنية قوية بالعدل ومجتمع متقدم بالعلم والسلم الأهلى ومواطن سعيد بالتسامح واحترام الاختلاف.

آه لو تدركون!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.