عمرو حمزاوى يكتب | الحكم والمثقف التبريرى

عمرو حمزاوى يكتب |  الحكم والمثقف التبريرى

عمرو حمزاوي

منذ خمسينيات القرن الماضى، توطن فى مصر نمط للعلاقة بين الحكم والمثقف التبريرى يستند من جهة إلى استتباع الأول للثانى بهدف الدفاع عن السياسات والممارسات والتأثير على تفضيلات الرأى العام وصياغة أطر قيمية أو أيديولوجية تسهم فى بناء شرعية الحكم وإضفاء هالات البطولة على الحاكم الفرد أو الرئيس المستبد، وينطوى من جهة أخرى على عوائد مادية ومعنوية للمثقف التبريرى الذى يصعد مهنيا واجتماعيا ويحمى وجوده فى المساحة العامة وقد يدفع به إلى المشهد السياسى على مقربة من مراكز صنع القرار التنفيذية أى تلك المرتبطة برئاسة الجمهورية وبالمؤسسات الحكومية.والحقيقة أن مصر فى هذا السياق لم تختلف منذ خمسينيات القرن الماضى عن غيرها من البلدان التى هيمنت عليها نظم حكم شمولية أو سلطوية أو النظم المسخ، وسجلت جمهورية يوليو ١٩٥٢ فى فتراتها الناصرية والساداتية والعقود الثلاثة للرئيس الأسبق مبارك تبلور واستمرار نمط «الاستتباع فى مقابل العوائد والحماية» الناظم للعلاقة بين الحكم والمثقف التبريرى وأنهت بذلك الاستقلال الحقيقى الذى تمتع به المفكرون والمثقفون والكتاب المصريون فى الحقبة الليبرالية التى شهدها النصف الأول من القرن الماضى.بالقطع لم تقتصر أبدا المساحة العامة على جموع المثقفين التبريريين، ودوما ما حضر المثقف المعارض والمثقف المناضل والمثقف المستقل وتبدلت بعض المواقع بعدا أو قربا من الحكم وفقا لتحولات السياسات والممارسات. إلا أن نمط «الاستتباع فى مقابل العوائد والحماية» فرض ذاته كنمط أساسى، وشكل تدريجيا بنية توقعات الحكم والمثقف.فالحكم استساغ تدريجيا وجود أغلبية من المثقفين مستعدة للتبرير ولخدمة أهدافه وفقا لحسابات أو أكلاف معلومة سلفا. وقبل أيضا تدريجيا أن توزع جموع المثقفين التبريريين على مؤسسات وأجهزة الدولة بنهج تخصيصى صار بمقتضاه ذاك المثقف قريبا من الرئاسة وآخر قريبا من الحكومة وثالث قريبا من المؤسسة العسكرية أو الأجهزة الأمنية. ثم صار غريبا لدى الحكم أن يحضر المثقف المعارض أو المناضل أو المستقل، وكثيرا ما سعت المؤسسات والأجهزة المختلفة بشأن المثقفين المستقلين إلى تفسير ذلك إفكا وزيفا كعمالة لجهات أجنبية وخدمة لمخططات تآمرية واستبعدت أن يكون ناتجا عن التزام مبدئى بالقيم والأفكار ورفض للمساومة عليها.أما جموع المثقفين التبريريين أو الراغبين فى الاضطلاع بالدور والدمج فى نمط «الاستتباع فى مقابل العوائد والحماية» ــ وبعضهم بكل تأكيد توافرت لديه الرغبة الصادقة فى دفع البلاد إلى الأمام وفقا لقناعاته ونظر إلى الحكم والقرب منه باعتباره سبيل تحقيق ذلك وبعضهم الآخر لم يدفعه قبول العوائد والحماية إلى تورط فى فساد أو تخلى عن النزاهة الأخلاقية والمصداقية الإنسانية، فاستساغوا تدريجيا الوجود المضمون فى المساحة العامة وأحيانا فى الحياة السياسية وقبلوا ميكانيكيته النازعة للجوهر وللمحتوى. وطورت جموع المثقفين التبريريين، بحظوظ متفاوتة من النجاح المعرف بمعيار وحيد هو رضاء الحكم، استراتيجيات وأدوات متنوعة للتعاطى مع تبدل سياسات وممارسات الحكم والانتقال من رئيس إلى آخر دون خسارة للدور أو للوجود المضمون أو إقصاء من نمط الاستتباع فى مقابل العوائد والحماية. ولم يفت هذا على قطاعات واسعة من الرأى العام التى دوما ما أشارت بسخرية إلى بعض المثقفين التبريريين الذين تجاوزوا تبدل السياسات وتعاقب الرؤساء وحافظوا على وجودهم وعلى العوائد والحماية باعتبارهم «رجال كل العصور» أو من «ذوى الكرامات التى لا تنقطع» أو «كائنات خارج حسابات الطبيعة والتاريخ»، وكان ذلك الرد الشعبى البليغ على مثقفين تغير لسان حالهم الفكرى والسياسى من النقيض إلى النقيض وأحيانا فى مدد زمنية بالغة القصر دون كثير تدبر فى التداعيات المحتملة على المصداقية بين الناس والقبول الشعبى.والحقيقة أن نمط «الاستتباع فى مقابل العوائد والحماية» كالنمط الناظم للعلاقة بين الحكم والمثقف التبريرى وبجميع تفاصيله مازال هو النمط السائد اليوم فى مصر، وكأن السنوات الثلاث لم تحمل تغيرا أو رغبة فى التغيير نحو حرية فى التعبير عن الرأى واستقلالية للمثقف صانع الرأى.

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.