عمرو حمزاوى يكتب | الدولة المعتمة والمواطن الشفاف .. مراقبة بلا قانون أو ضمانات

عمرو حمزاوى يكتب | الدولة المعتمة والمواطن الشفاف .. مراقبة بلا قانون أو ضمانات

عمرو حمزاوي

لا تختلف منظومة الحكم/ السلطة فى مصر عن قريناتها المتسمات بالطبيعة غير الديمقراطية فى بلاد العرب أو بعيدا عنها لجهة السعى الدائم إلى مراقبة عموم المواطنات والمواطنين، وتوظف هنا أدوات تتنوع باطراد يرتبط بالتقدم العلمى والتكنولوجى من التنصت على الهواتف الذى صار كلاسيكيا إلى «القبضات الإلكترونية» التى تستهدف تمكين المؤسسات والأجهزة الأمنية والاستخباراتية (وأحيانا العسكرية) من إخضاع بريدنا الإلكترونى ورسائلنا الإلكترونية ومشاركاتنا على المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعى «لمتابعتها» المستمرة.

لا أنفى عن الحكومات الديمقراطية كونها توظف أدوات مراقبة المواطنات والمواطنين، ولا أتجاهل حقيقة أن التفوق العلمى والتكنولوجى لديمقراطيات الغرب الأمريكي ــ الأوروبى يتيح لها تنوعا وشمولية فى أدوات المراقبة يتجاوزان بكثير حدود «الممكن» فى بلاد العرب والبلاد الأخرى التى تغيب عنها الديمقراطية والتى تقتصر فى المجمل حظوظها من المعارف العلمية وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة على ما يسمح لها الغرب باستيراده وتسمح بشرائه موازناتها المتفاوتة بشدة ــ علما بأن حتى فى البلدان الفقيرة والأقل تنمية ونموا، لا تبخل منظومات الحكم/ السلطة غير الديمقراطية عادة بالمخصصات المالية حين يتعلق الأمر بشراء «تكنولوجيات» مراقبة المواطن وتبديها شأنها شأن الحصول على «مستلزمات» السيطرة/ الضبط/ القمع على تخصيص الأموال لقطاعات كالتعليم والبحث العلمى ومرافق أساسية كالخدمات الصحية والبيئية والرعاية الاجتماعية.

لا أنفى أيضا أن ظاهرة «الانفلات المؤقت» لبعض الحكومات الديمقراطية فى توظيف أدوات مراقبة المواطنات والمواطنين، وعصفها بضمانات حقوق الإنسان والحريات المنصوص عليها فى دساتيرها وقوانينها ــ مثل عدم جواز مراقبة المواطن وانتهاك حرمة حياته الخاصة دون إذن قضائى مسبب ولفترة زمنية معلومة، وعدم جواز استباحة مراسلات المواطن وتعبيره الحر عن الرأى فى المجال العام ومواقع العمل والفضاء الإلكترونى أيضا دون إذن قضائى مسبب، ومن ثم عدم جواز إخضاع عموم المواطنات والمواطنين للمراقبة وتصنيفهم الجمعى كخارجين محتملين على القانون، وغيرها. وستظل كارثية الانفلات والعصف بضمانات الحقوق والحريات والتورط فى انتهاكات صريحة من التعذيب إلى التجريم الجماعى دون أدلة التى مارستها داخل الولايات المتحدة وخارجها إدارة الرئيس الأمريكى السابق جورج دبليو بوش فى أعقاب 11 سبتمبر 2001 والإعلان عن «الحرب الأمريكية على الإرهاب» ماثلة فى ذهنى، شأنها شأن حقيقة أن بعضا من الممارسات الكارثية والرديئة لسنوات بوش مازالت حاضرة فى فعل إدارة الرئيس الحالى باراك أوباما وفعل بعض الحكومات الديمقراطية فى أوروبا (من بريطانيا إلى فرنسا وألمانيا) – المعلومات التى أتاحها إدوارد سنودن للرأى العام العالمى دامغة.

إلا أن الفوارق الجوهرية بين الحكومات الديمقراطية حتى حين «تنفلت» وهى تراقب مواطناتها ومواطنيها وبين منظومات الحكم/ السلطة غير الديمقراطية تتمثل فى أمرين محددين: 1) لحكم القانون والضمانات الدستورية والقانونية للحقوق وللحريات، ومن بينها ضمانات حماية المواطن من التعرض للمراقبة التعسفية ودون إذن قضائى ولفترة زمنية معلومة، قيمة راسخة فى الديمقراطيات على خلاف البلدان غير الديمقراطية وتستطيع الشعوب التعويل عليها لتصحيح مسار الحكومات وإنهاء الانفلات تدريجيا ــ ومنذ 2001 والمحاكم الأمريكية والأوروبية بما فى ذلك المحاكم الدستورية تضطلع بهذا الدور، 2) تلتزم الديمقراطيات بالكثير من قواعد حرية تداول المعلومات وشفافية المؤسسات والأجهزة العامة ومساءلة ومحاسبة شاغلى المناصب العامة، بينما تعمد منظومات الحكم/ السلطة غير الديمقراطية إلى منع تداول المعلومات ولا تتجاوز علاقتها بالشفافية والمساءلة والمحاسبة حدود النظرى من الحديث وتمكنها مراقبتها المستمرة ودون ضمانات دستورية وقانونية لعموم المواطنات والمواطنين من تحويلهم هم إلى «الكيانات الشفافة» الوحيدة فى بلدانهم حيث تعرف عنهم المؤسسات والأجهزة كل شيء بما فى ذلك مكنونات النفوس والضمائر ــ أو تعتقد ذلك على الأقل.

غدا هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.