عمرو حمزاوى يكتب | السواحل والصحارى المصرية

عمرو حمزاوى يكتب | السواحل والصحارى المصرية

عمرو حمزاوي

تماما كما تحتاج الحياة السياسية فى مصر إلى تجاوز لأزمات العنف والخروج عن مسار تحول ديمقراطى حقيقى وهيمنة المكون العسكرى ــ الأمنى، تحتاج أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية إلى تجاوز نمط النمو المشوه الذى ارتكز خلال العقود الماضية إلى النشاط الخدمى (السياحة) وإلى صناعات تصديرية محدودة وإلى الاستهلاك المتصاعد لموارد مصر المحدودة من البترول والغاز الطبيعى.فقد أفضى هذا النمط المشوه إلى ضعف معدلات التنمية المستدامة، ولم ترتب نسب النمو الاقتصادى المرتفعة نسبيا التى سجلها فى العقد الماضى تحسين الأوضاع المعيشية لأغلبية المصريات والمصريين ولا ارتفاعا فى مستويات الخدمات التعليمية والصحية والضمانات الاجتماعية المقدمة لهم، ولم يغير من تركز الثروة والفجوة الواسعة بين الأغنياء والفقراء وكلاهما بدأ مع اعتماد نظام غير متوازن لاقتصاد السوق (فى سبعينيات القرن الماضى).وتواصل إلى حد بعيد اقتصار النشاط الزراعى والصناعى على وادى النيل، وتخطت متطلبات الكثافة السكانية المتصاعدة قدراته الإنتاجية وفرص العمل التى وفرها، ولم تضف خلال العقود الماضية إلى مراكز النشاط الاقتصادى إلا بعض المدن الصناعية والمناطق السياحية فى سيناء وعلى ساحل البحر الأحمر.لن نصنع تنمية مستدامة فى مصر إلا بتجاوز المحدودية المرتبطة بوادى النيل والنظر إلى الشرق باتجاه الصحراء وساحل البحر الأحمر وإلى الغرب باتجاه الصحراء والواحات والثروة التعدينية وإلى شمال شرق باتجاه شبه جزيرة سيناء ومواردها الطبيعية غير المستغلة وإلى شمال غرب باتجاه ساحل البحر المتوسط الذى يتعين أن نحوله من ساحل الهجرة غير الشرعية والموت للشباب الباحث عن فرص عمل فيما وراء الحدود وساحل الكتل الخرسانية لأغنياء المصريين إلى ساحل للنشاط الاقتصادى الصناعى والزراعى والخدمى وساحل لفرص عمل للشباب ولحياة واستقرار الأسر الشابة.لن نصنع تنمية مستدامة فى مصر إلا بتجاوز المحدودية المرتبطة بوادى النيل والتى فرضت باستمرار مركزية الوادى (مختزلة إلى مركزية العاصمة أو مقر الحكم) واستتبعت الأقاليم وعصفت بفرص التنمية المستدامة والمستقلة بها. نحتاج لأن ننظر إلى السواحل والصحارى المصرية ونربط بينها وبين محافظات الوادى شمالا وجنوبا، وأن نمكن القطاع الخاص من التوجه إليها بهدف النشاط الاقتصادى دون ضغوط أو قيود الإدارة المركزية ذات الطبيعة البيروقراطية والتى استفحل بها الفساد خلال العقود الماضية وبتوظيف للتكنولوجيا الحديثة والموارد الطبيعية غير الناضبة (كالطاقة الشمسية)، وأن نوفر للشباب فرصا حقيقية للعمل ولتطوير مشروعات متناهية الصغر وصغيرة ودفع الحياة فى السواحل والصحارى إلى الأمام بالتوطن هناك وتحويل مصر تدريجيا إلى أرض مأهولة فى مختلف ربوعها.

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.