عمرو حمزاوى يكتب | الوهن حين يفكك الأساطير

عمرو حمزاوى يكتب | الوهن حين يفكك الأساطي

عمرو حمزاوي

يواجهنا العدوان الإسرائيلى على غزة بمرآة كاشفة للوهن العربى. يسقط أكثر من ١٠٠ شهيد بينهم الأطفال والنساء والرجال، يتواصل ارتفاع عدد المصابين وتكاد إمكانات العلاج داخل القطاع تنعدم وتتعثر خارجه بالإغلاق شبه المستمر للمعابر مع مصر، تمارس آلة القتل الإسرائيلية إجرامها المعهود ضد مليونين من الفلسطينيين (تقريبا) وتحول غزة مجددا لمنطقة دمار شامل، تصمت القوى الدولية الكبرى أو تصدر عنها بيانات تدين «العنف المتبادل» وتطالب «بضبط النفس» أو توصف كالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الإجرام الإسرائيلى كدفاع شرعى عن النفس. ونحن العرب؟

نحن العرب غائبون. منظومات الحكم/ السلطة من المحيط إلى الخليج كعادتها إما تصمت أو تصدر بيانات الإدانة والشجب أو تتنادى إلى اجتماعات وزارية أو ترسل مساعدات إنسانية وتعد بمساعدات مالية. وبذلك يصنع حكام العرب، على اختلاف أنماطهم بين أرباب قتل وقهر وأرباب قمع وسيطرة على مجتمعاتهم وأرباب ريع النفط وأرباب طائفية ومذهبية ونفر من الباحثين عن شيء من الديمقراطية فى تونس والمغرب، بيئة إقليمية مواتية إن لم تكن متواطئة مع الإجرام الإسرائيلى. بل إن بعض الحكام الذين كانوا يمارسون فى الماضى إبراء الذمم بالإسراع إلى إصدار البيانات والتنادى إلى الاجتماعات الوزارية ما عادوا يكترثون، والبعض الآخر لا يستنكف تسجيل مواقف رسمية تساوى بين الجلاد الإسرائيلى والضحية الفلسطينية وتطالبهما (متماهية مع مواقف القوى الدولية الكبرى) بضبط النفس والامتناع عن العنف المتبادل (البيان الصادم للخارجية المصرية) متجاهلا أن إسرائيل المحتلة بآلة قتلها واعتداءاتها المتكررة فى القدس والضفة الغربية وبإجرامها الاستيطانى وباستباحتها الممنهجة لغزة تنتهك حق الفلسطينيين فى الحياة وتقرير المصير وأن صواريخ المقاومة الفلسطينية ــ وإن كنت من الذين لا يرون فاعليتها كإستراتيجية مقاومة على المدى الطويل ويفضلون خيار الانتفاضة السلمية الثالثة فى كل فلسطين ــ تمثل اليوم وإزاء العدوان الإسرائيلى ممارسة لحق الدفاع المشروع عن النفس.

نحن العرب غائبون. لم ينتفض الشارع العربى مع استمرار العدوان الإسرائيلى وتوالى سقوط الشهداء والمصابين، لم تخرج المسيرات الحاشدة التى عهدتها فى محطات سابقة العواصم العربية ودوما ما أدانت تخاذل الحكام عن التدخل السريع لحماية الشعب الفلسطينى، صمتت وسائل الإعلام العربية (الرسمية والخاصة) باستثناءات محدودة، تراجعت بوضوح مبادرات منظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية والكيانات الحزبية والسياسية للتضامن مع فلسطين وتكفل بعض حكام العرب بتفريغ ما أعلن عنه أو عزم على القيام به من الفاعلية (بمعابر مغلقة وبقيود متنوعة).

ونحن المصريون؟ غائبون أيضا، وفى ظل تجاهل شعبى وتورط إعلامى فى ترويج خطاب كراهية فلسطين وتجريم حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى وشيطنتهم. غائبون أيضا، ومنظومة الحكم/ السلطة توظف التجاهل الشعبى والشيطنة الإعلامية لتمرير وقوفها موقف المتفرج السياسى إزاء العدوان الإسرائيلى على غزة. غائبون أيضا، إلا من رحم ربى من الكتّاب والصحفيين والإعلاميين والشخصيات العامة، وجميعهم يسجلون هذه الأيام رفضهم لخطاب الكراهية ولشيطنة حماس والمقاومة. إلا أن أصواتنا، بشأن فلسطين كما بشأن قضايا الديمقراطية والحقوق والحريات فى المجمل، على الهامش وتواجه التوحش الإعلامى لخطاب الكراهية والتجريم.

نعم نحن العرب والمصريون أمام مرآة كاشفة للوهن، ومفككة أيضا لبعض الأساطير ــ كأسطورة الناصرية المعدلة التى يروج لها فى مصر منذ صيف ٢٠١٣ لتمرير رئاسة وزير الدفاع السابق / الرئيس الحالى بإلاشارة إلى انحيازاته الناصرية داخليا وإقليميا ودوليا، بينما الحقيقة أن السياسات المتبعة إلى اليوم داخليا وإقليميا ودوليا لا تدلل على ذلك أبدا (وبمعزل عن تقييم الحقبة الناصرية فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى).

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.