عمرو حمزاوى يكتب | سبل الخروج من مجتمع مريض

عمرو حمزاوى يكتب |  سبل الخروج من مجتمع مريض

عمرو حمزاوي

هو عنوان كتاب شهير لايريش فروم (عالم اجتماع ودارس للتحليل النفسى وممارس له، عاش بين ألمانيا والولايات المتحدة والمكسيك وسويسرا، ١٩٠٠ــ١٩٨٠) يتناول به معاناة الإنسان فى المجتمع الحديث التى يراها ناتجة عن استغلاله الاقتصادى والاجتماعى المستمر من قبل المصالح الكبرى، وعن القمع المباشر وغير المباشر لحرياته المدنية والسياسية، وعن اغترابه عن ذاته وعن المحيطين به بفعل سيطرة السلطة على حياته اليومية وتوجيهها المباشر وغير المباشر لتصرفاته.

ثم يقدم فروم فى الجزء الأخير من كتابه مجموعة من الأفكار لاستعادة التماسك النفسى للفرد وللمجتمع وللخروج من المعاناة وللتخلص من أمراض العنف والقتل والفوضى والانتحار تدور (بلغة اليوم، فلغة فروم تعود إلى النصف الثانى من القرن العشرين و«سبل الخروج من مجتمع مريض» صدرت نسخته الألمانية فى ١٩٦٠) حول التمكين الاقتصادى والتحرير الاجتماعى والسياسى للإنسان على نحو يحد من الاستغلال ومن الاستتباع للمصالح الكبرى ومن الاغتراب عن الذات والمجتمع (يستخدم فروم هنا مفهوم الاشتراكية التعاونية للتدليل على إمكانية الوصول إلى هذه الأهداف العليا).

تمثل أفكار فروم، وتأثيرها لم يقتصر أبدا على علماء الاجتماع والتحليل النفسى المنتمين لليسار كفروم بل تجاوزهم إلى الاتجاهات الليبرالية ودراسات التنمية الإنسانية / البشرية والكتابات السياسية، فرصة للاقتراب من الوضع المصرى الراهن على نحو قد يباعد بيننا وبين الطبيعة التكرارية للنقاش العام (الصراع على الحكم والسلطة والسياسة كقضية كبرى وحيدة) من جهة وبيننا وبين اختزال الموقع / الموقف من الوقائع المصرية إما فى ثنائية تأييد الحكم فى مقابل الرفض والمعارضة أو فى ثنائية الدفاع عن العوائد / المصالح الخاصة فى مقابل الدفاع عن المبادئ العليا والصالح العام.

دعونا، أولا، نعترف أن مجتمعنا مريض وأن الإنسان فى مصر يعانى بسبب ١) شبكة استغلال اقتصادى واجتماعى طاغية تتداخل مصالحها الكبرى مع المصالح الكبرى الحاضرة فى الحياة السياسية (الرباط العضوى بين المصالح الاقتصادية والمالية وبين مؤسسات الدولة القوية والنافذين بها)، ٢) القمع المباشر وغير المباشر للحريات المدنية والسياسية والقيود المفروضة على وجود المواطن فى المساحة العامة إن باسم القانون أو بقوة الأمر الواقع والذى لم يغير به حراك السنوات الماضية شيئا يذكر، ٣) اغتراب الإنسان عن الذات وعن المحيطين به بفعل سيطرة السلطة على حياتنا واستتباعها لنا عبر مقايضة الخبر بالحرية أو مقايضة الأمن بالحرية وبفعل الاستغلال فى المساحة الخاصة (مساحة العلاقات الشخصية والأسرية) الذى ينتهك كرامة المرأة وحقوقها وحريتها ويتغول على الضعفاء والفقراء وكبار السن وذوى الاحتياجات الخاصة.

دعونا، ثانيا، نعترف أن علاج المجتمع المريض واستعادة التماسك النفسى للإنسان لن ينجحا إذا واصلنا اختزال الأمر فى السياسة وفى الصراع على الحكم والسلطة، وبالقطع إذا تمادينا فى تجاهل شبكات الاستغلال الاقتصادى والاجتماعى المتحالفة عضويا مع الحكام. فالمجتمع المريض، وكما يسجل فروم، يسهل تزييف وعيه الجماعى ودفعه إلى تأييد الفاشية التى تقايض الخبر والأمن بالحرية أو الدفاع باستماتة عن بقاء رأسمالية متوحشة تستتبعه إلى حد القضاء على كرامته واستقلاليته. والإنسان المريض يتماهى مع الديكتاتور أو النخبة الفاشية أو المصالح الاقتصادية والمالية الكبرى وهم جميعا يقمعونه يوميا وهو يغترب بلا فكاك عن ذاته والمحيطين به ويتحول إلى رهينة لممارسة العنف والقتل والفوضى والانتحار الفردى والجماعى.

ليست، إذن، بدايات العلاج والتغيير الإيجابى فى السياسة ولا فى صراعاتها، وليست أيضا فى حروب المواقع والمواقف فى المساحة العامة وفى تنازعات المدافعين عن المصالح الخاصة وأصوات المبادئ والصالح العام. فالتاريخ الإنسانى، قديما وحديثا، يدلل بوضوح على أن صراعات السياسة وحروب المواقع والمواقف يحسمها دوما الأقوياء وتنتصر بها النخب والمجموعات التى تمارس الاستغلال والقمع والسيطرة دون عظيم تفكير فى الصالح العام أو فى المبادئ والقيم العليا. بل البداية الحقيقية الممكنة فى تمكين الإنسان من الخروج من شبكات الاستغلال والقمع والسيطرة عبر نشاط اقتصادى واجتماعى وفكرى وثقافى وتنموى يهدف إلى تحرير جسد وعقل وعمل الإنسان وينطلق من بيئته المحلية المباشرة قبل أن يبحث عن موطئ قدم فى المساحة العامة بسياستها وصراعاتها وحروبها.

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.