عمرو حمزاوى يكتب | عن إنسانية تدمر

عمرو حمزاوى يكتب | عن إنسانية تدمر

عمرو حمزاوي

لم يعد للأنساق الأخلاقية وللقيم الإنسانية للمصريات والمصريين ملاذات آمنة بعيدا عن وضعية استقطاب مجتمعى تصطنع بيننا العداء والكراهية، وعن مجال عام رديء يغيب المعلومة والحقيقة والتعبير الحر عن الرأى واحترام الاختلاف ويستبدل كل ذلك بفرض للرأى الواحد وللصوت الواحد وبعبث تخوين وتشويه المختلفين مع منظومة الحكم / السلطة، وعن سياسة أميتت كنشاط سلمى وتعددى وتنافسى يستهدف صالح الدولة والمجتمع وحلت محلها صناعات الاستبداد لمصرية التقليدية – حكم الفرد المروج له كبطل منقذ ونشر الخوف من «أعداء» الداخل والخارج وتوظيف نظريات المؤامرة لتمرير مقايضة الأمن والخبر بالحق والحرية.

نعم لم تعد أنساقنا الأخلاقية وقيمنا الإنسانية فى مأمن، وزج بشبكات إدراكنا الفردى والجماعى وبطرائق تعبيرنا اللغوى والحركى والمادى عن قناعاتنا وتفضيلاتنا إلى خانات مظلمة ومساحات مريضة تتعثر بها قدرتنا على رفض الدماء والظلم والانتهاكات والتعبير عن تضامننا / تعاطفنا مع الضحايا، على الدفاع عن كرامة الإنسان وحرمة جسده وروحه دون معايير مزدوجة، على الصمت إزاء الموت والحزن والامتناع عن التورط فى فولكلور التشفى ومقولات التبرير.

نعم لم تعد أنساقنا الأخلاقية وقيمنا الإنسانية فى مأمن، فأصبحنا نصفق للدماء، ونهتف مرحبين بقتل من نصنفهم كمختلفين معنا أو عنا، ونهلل لتصفيتهم والعصف بحقهم فى الحياة ولانتهاك حرياتهم بالعنف والظلم والقمع ولذبح كرامتهم بالتخوين والتشويه والاغتيال المعنوى. لا يختلف هنا المتشفون فى ضحايا الجيش والشرطة والضحايا المدنيين الذين يسقطهم الإجرام الإرهابى عن المتشفين فى قتلى وضحايا فض الاعتصامات والتظاهرات، ولا عن المبررين لاعتقالات ولانتهاكات الحقوق والحريات، ولا عن المرحبين بالاغتيال المعنوى للمعارضين بإفك وزيف التخوين والتشويه فقط لكونهم معارضين ودون خجل من معاييرهم المزدوجة التى تجعلهم يجهرون برفض ذات الإفك والزيف ويتمسحون بضرورة حماية كرامة وأعراض الناس حين يهدد أصحاب الثروات والمصالح والنفوذ.

نعم لم تعد أنساقنا الأخلاقية وقيمنا الإنسانية فى مأمن، وصار التعبير العلنى عن التضامن مع ضحايا الظلم ظاهرة نادرة أو غير متوقعة الحدوث، واحترام فواجع وآلام المظلومين وتغليب الشعور الإنسانى الطبيعى بالتعاطف على ثنائيات المع والضد وكارثة رفض المختلفين أو على الأقل ممارسة الصمت إزاء الموت والمرض مستبعدا وربما مستغربا.

رحم الله الأستاذ المحامى أحمد سيف الإسلام الذى تؤلم وفاته ويؤلم الظلم الذى تعرض له وتتعرض له اليوم أسرته. رحم الله مجتمعنا الذى تنهار أنساقه الأخلاقية وقيمه الإنسانية إلى الحد الذى سمح للبعض بالتشفى فى الوفاة وتبرير الظلم على شبكات التواصل الاجتماعى، وللبعض الآخر بتوظيفهما لتصفية حسابات سياسية رديئة وللبحث عن الاقتراب من منظومة الحكم / السلطة المتورطة فى الظلم دون اعتبار لحرمة الموت أو لكرامة مظلوم يحول السجان بينه وبين حرية الدفاع عن النفس.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.