عمرو حمزاوى يكتب | عن الأمن القومى

عمرو حمزاوى يكتب | عن الأمن القومى

عمرو حمزاوي

يجافى الحقيقة الزعم بأن الأصوات والمجموعات المدافعة عن العدل والحق والحرية وسيادة القانون لا تكترث بمقتضيات الأمن القومى لمصر، تماما كما يجافيها الانطباع السائد بأن النخب العسكرية والأمنية تستطيع بمفردها التعامل مع التحديات والتهديدات التى ترد على الأمن القومى وأن المشاركين «المدنيين» فى منظومة الحكم/ السلطة وكذلك معارضو الحكم المطالبون بالديمقراطية لا قبل لهم لا بإدراك طبيعة التحديات والتهديدات هذه ولا بالتغلب عليها.

بل المؤكد والمطلوب، وبعيدا عن الاختلافات بين العسكريين والأمنيين والمدنيين داخل منظومة الحكم/ السلطة وعن التناقضات الجوهرية بين الحكم ومعارضيه بشأن الديمقراطية، هو أن مصر تحتاج لبلورة رؤية لمقتضيات/ تحديات/ تهديدات أمنها القومى تستند إلى أن الحفاظ على الدولة الوطنية أولوية وأن الظلم وغياب العدل والحق والحرية وسيادة القانون يهدد تماسك الدولة وفاعلية مؤسساتها وأن بناء الديمقراطية ضرورة لسلم المجتمع وتقدمه ولسعادة المواطن وأن الدفاع عن الأمن القومى لمصر مع تراكم أزمات الداخل وفى محيط إقليمى غير مستقر وعنيف يقتضى تكاتف الجميع بابتعاد الحكم عن الاستبداد/ السلطوية/ انتهاكات الحقوق والحريات وبالتزام المعارضة بالعمل السلمى داخل حدود الوطن ورفض التورط فى كارثة المعارضة من الخارج.

المؤكد هو أن الأصوات والمجموعات المدافعة عن العدل والحق والحرية وسيادة القانون ليست «كارهة للدولة الوطنية» أو باحثة عن هدمها/ تقويضها/ إفشالها. والمطلوب هو أن يدرك الرأى العام أن الأصوات والمجموعات هذه لا ترى فرص فعلية لبناء الديمقراطية بدون دولة وطنية قوية بالعدل، ومتماسكة باختفاء معاول الهدم والتقويض المتمثلة فى الاستبداد والسلطوية، ومتقدمة بالتنمية المستديمة والعدالة الاجتماعية.

المؤكد هو أن الأصوات والمجموعات المدافعة عن العدل والحق والحرية وسيادة القانون ليست «كارهة للمؤسسة العسكرية وللأجهزة الأمنية» أو رافضة دوما وجملة وتفصيلا لتوظيف القوة الجبرية فى مواجهة ظواهر الإرهاب والعنف. بل هى تريد مؤسسة عسكرية وأجهزة أمنية طبيعية وتمزج بين الإدراك الواضح لكون احتكار القوة الجبرية حق وجود للدولة وكون توظيفها ضرورة للتغلب على الإرهاب والعنف، وبين الإصرار على أن الاحتكار هذا لا يعنى العصف بسيادة القانون وضمانات الحقوق والحريات دون تمييز وأن التوظيف المشار إليه لا يرادف التورط فى انتهاكات أو تعذيب أو عقاب جماعى أو امتهان لكرامة الإنسان ولا يرادف تجاهل الحلول غير الأمنية اللازمة أيضا لمواجهة الإرهاب والعنف.

المؤكد هو أن الأصوات والمجموعات المدافعة عن العدل والحق والحرية وسيادة القانون حين تطالب بالتداول الحر للمعلومات وبثلاثية الرقابة والمساءلة والمحاسبة لشاغلى المنصب العام من العسكريين والأمنيين والمدنيين فهى تسعى هنا إلى تفعيل قواعد أساسية للبناء الديمقراطى، وغير صحيح أنها تتجاهل شرط السرية المرتبط ببعض مقتضيات وتحديات وتهديدات الأمن القومى والذى يتعين احترامه وتنظيمه قانونيا على نحو يحول أيضا دون الافتئات على حق المواطن فى المعلومة ودون أن تصبح «السرية» هى القاعدة الوحيدة المتبعة.

المؤكد هو أن مصر نجحت على سبيل المثال فى التغلب على تحديات وتهديدات كبرى لأمنها القومى فى أعقاب هزيمة ١٩٦٧ وتحقيق نصر أكتوبر ١٩٧٣ بتكاتف العسكريين والأمنيين الذين عادوا جزئيا إلى أدوارهم الطبيعية (الاحترافية والبعيدة عن التورط الكامل فى الحكم) مع المدنيين الذين أفسح مجال العمل العام والمجهود الحربى لخبراتهم العلمية والمهنية وأخذت جزئيا مطالبتهم بحرية التعبير عن الرأى على محمل الجد. ونحتاج اليوم لكى نتغلب على التحديات والتهديدات التى ترد على الأمن القومى وتجمع بين الداخلى والإقليمى والدولى لإحياء ذات التكاتف فى إطار ديمقراطى يحترم العدل والحق والحرية وسيادة القانون.

غدا هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.