عمرو حمزاوى يكتب | عن رأسمالية مشوهة ورأسماليين مستتبعين

عمرو حمزاوى يكتب | عن رأسمالية مشوهة ورأسماليين مستتبعين

عمرو حمزاوي

فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، تحالفت نخب الصناعة والاقتصاد والمال فى ألمانيا مع النازية/ الفاشية الحاكمة ومكنتها من آلة عسكرية عدوانية غزت وأبادت وقتلت، وساعدتها فى إنشاء منظومة متكاملة للقمع المباشر (عبر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية) وللقمع غير المباشر (عبر أدوات تزييف الوعى الإعلامية)، ومولت جرائمها فى الداخل والخارج ــ واتبعت نخب الصناعة والاقتصاد والمال فى إيطاليا الفاشية وفى يابان العسكرية الإمبراطورية ذات التوجهات والسياسات، ولم يكن تحالف البلدين مع ألمانيا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية (1939ــ 1945) إلا نتيجة منطقية لذلك.

فى أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، دعمت المصالح الرأسمالية فى الولايات المتحدة الأمريكية حملات فاشية للقمع والإقصاء والاغتيال المعنوى وتعطيل الضمانات القانونية للحقوق والحريات التى اتجهت إلى مبدعين وفنانين ومفكرين وكتاب وصحفيين وأساتذة جامعيين وقيادات عمالية ونقابية بزعم ترويجهم «للأفكار الشيوعية الكافرة والهدامة» وتآمرهم على الدولة والمجتمع، وهى الحملات التى عرفت أمريكيا تحت مسمى «المكارثية».

فى النصف الثانى من القرن العشرين، ساندت النخب الاقتصادية والمالية والمصالح الصناعية والأسر الإقطاعية الكبرى الديكتاتوريات العسكرية فى العديد من دول أمريكا الوسطى والجنوبية، وربطت عضويا بين وجودها وبقاء امتيازاتها وبين الحفاظ على الديكتاتورية الحاكمة، وتورطت فى تمويل (وأحيانا تنفيذ) جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات لحقوق الإنسان.

فى النصف الثانى من القرن العشرين، قاومت نخب الصناعة والاقتصاد والمال فى أوروبا الغربية بشدة سياسات الرفاه والعدالة الاجتماعية ووقفت طويلا فى وجه تبلور اقتصاد سوق يحفظ كرامة وحقوق ومصالح الفقراء ومحدودى الدخل، ولم تتمكن الحكومات الأوروبية (حكومات يمين الوسط ويسار الوسط المتعاقبة) بين خمسينيات وثمانينيات القرن العشرين من تنفيذ خططها التنموية وتطبيق سياساتها الضريبية والتدخل السيادى لتنظيم حركة السوق إلا فى ظل وجود الكتلة الاشتراكية التى رفعت شعارات العدالة والمساواة وإسقاط الرأسمالية فى جوارها المباشر وبعد أن حسمت أغلبيات مستقرة من مواطنى دول أوروبا الغربية انحيازها للحقوق وللحريات ولاقتصاد السوق الملتزم بالعدالة الاجتماعية.

منذ النصف الثانى من القرن العشرين وإلى اليوم، والنخب الاقتصادية والمالية فى العالم العربى تتحالف مع السلطويات الحاكمة وتساندها فى انتهاك الحقوق وقمع الحريات وتعطيل القانون والعقل نظير ضمان الوجود والحفاظ على المصالح والعوائد فى إطار اقتصاديات سوق مشوهة. ثنائية الاستتباع فى مقابل العوائد هى، إذن، جوهر علاقة التحالف بين «الرأسماليين العرب» وبين السلطويات الحاكمة، وبعيدا عنها وعن السياسات المطبقة لإدارة شئون الدولة والمجتمع يلقى بالعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة تماما كما تقصى قيم العدل والحق والحرية.

وفى مصر، وبعد عقدى الخمسينيات والستينيات الذين شهدا محاولة السلطوية الحاكمة الاستئثار بمفردها بالدولة والسيطرة الأحادية على المجتمع وتغييب الحقوق والحريات وتهميش النخب الاقتصادية والمالية نظير وعد البطل المنقذ بتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية والحفاظ على الاستقلال الوطنى موظفا الدولة كآلة التقدم الوحيدة، لم تخرج لا السلطوية الحاكمة ولا النخب الاقتصادية والمالية منذ سبعينيات القرن الماضى عن ثنائية «الاستتباع فى مقابل العوائد» المعادية للحقوق وللحريات بذات عنف وحدة رفضها للعدالة الاجتماعية ولخروج الدولة والمجتمع والمواطن من تحت عباءة هيمنة وسيطرة الحاكم الفرد واقتصاد السوق المشوه. ولا فكاك لنا من حكم الفرد ومن اقتصاد السوق المشوه، من بين عوامل كثيرة أخرى، إلا بتبلور نخب اقتصادية ومالية تؤمن بالحق والحرية وتضع العقل والمعرفة والعلم والعدالة الاجتماعية على قمة أولويات المجتمع وترفض تأييد السلطويات الحاكمة ثقة فى أنها إلى زوال. لا فكاك لنا من حكم الفرد ومن اقتصاد السوق المشوه إلا بتطور رأسمالية وطنية وإنسانية، كتلك التى صنعت تجربتنا الليبرالية بين عشرينيات وخمسينيات القرن العشرين.

غدا هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.