عمرو حمزاوى يكتب | فى مثل هذا اليوم

عمرو حمزاوى يكتب | فى مثل هذا اليوم

عمرو حمزاوي

فى مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات، شعر قطاع واسع من المصريات والمصريين أن تحقق حلم الدولة الديمقراطية العادلة والمجتمع التعددى المتسامح وحقوق الإنسان والحريات المصونة بات قاب قوسين أو أدنى بعد تنحى الرئيس الأسبق مبارك، وتجاهلوا صعوبة بناء الديمقراطية بعد عقود السلطوية الطويلة وفى ظل ضعف وتشتت القوى الشبابية والمجتمعية التى أشعلت وشاركت فى ثورة يناير ٢٠١١.

فى مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات، غادر الناس الميادين مؤملين أن المجلس العسكرى والأحزاب والحركات السياسية (قديمها وجديدها) سينجحون فى إدارة الانتقال إلى الديمقراطية دون تورط فى انتهاكات للحقوق وللحريات أو فى اختزال السياسة فى استقطاب وصراعات مصالح ونفوذ أو فى الاستعلاء على احتياجات الأغلبية الساحقة التى صبرت طويلا على الظلم والفساد وشظف الحياة وتطلعت إلى تحسن أوضاعها. ولم تحمل الأيام التى تلت ١١ فبراير ٢٠١١ إلا انتهاكات تصاعدت واستقطابا أودى بالتوافق المجتمعى واستعلاء أفقد الناس ثقتهم فى السياسة وممارسيها.

فى مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات، وثق الكثير من المصريات والمصريين أن الأحزاب والحركات السياسية ستعمل بجدية إلى أن تصل إلى دستور يبنى الدولة الديمقراطية العادلة ويقر طبيعتها المدنية بالفصل بينها وبين الدين وبإخراج الجيش من الحياة السياسية، وإلى تأسيس لسلطة تشريعية منتخبة وسلطة تنفيذية منتخبة وتفعيل مبدأ استقلال القضاء والتوازن والرقابة بين السلطات، وإلى إصلاح لأجهزة الدولة على نحو يقاوم الفساد وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية على نحو يضمن صون الحقوق والحريات.

وصدمت الأحزاب والحركات السياسية الناس بضعفها الشديد وتكالبها على مصالحها الضيقة، فالإخوان تخلوا عن حلم الديمقراطية سريعا وتحالفوا مع المجلس العسكرى بهدف الوصول إلى السلطة وتنصلوا من الدفاع عن الحقوق والحريات قبل وأثناء رئاسة الدكتور محمد مرسى. أما الأحزاب والحركات السلفية فتبدلت تحالفاتها بنفعية بالغة، ولم تنجح فى جميع الأحوال فى صياغة برامج تحدد معالم دورها السياسى واقتصرت بضاعتها العلنية على الترويج لشعار «الشريعة فى خطر» بزيف أخاف بعض المصريات والمصريين على الشريعة التى لم يكن أبدا تأويلها المتسامح والمعتدل محل تهديد. والأحزاب والحركات التى ادعت لذواتها الهوية المدنية والديمقراطية لم تطور تصورا واضحا للانتقال الديمقراطى وتقلبت بين معاداة اليمين الدينى ومنافسات بينية وتأييد لتدخل الجيش فى السياسة.

فى مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات، انصرف الناس عن الميادين وهم من جهة على امتنان عظيم للمجموعات الشبابية وللمدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان الذين سبقوهم إلى المشاركة فى ثورة يناير ٢٠١١، ومن جهة أخرى على قناعة واضحة بأن الفاسدين فى نظام الرئيس الأسبق مبارك وأبواق الدولة الأمنية التى رعاها يتعين محاسبتهم على نحو قانونى منضبط. ثم دارت مصر خلال السنوات الثلاثة دورة كاملة فى الاتجاه العكسى ليجد الشباب أنفسهم محل اتهام وحبس وسجن ولتجد الأصوات المدافعة عن الديمقراطية والحقوق ذواتها محل تخوين وتشويه واتهام وتضييق على حرية التعبير عن الرأى، بينما المحاسبة المنضبطة للفاسدين مازالت غائبة والأبواق عادوا ليشغلوا مختلف جنبات المساحة العامة.

فى مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات، بحثنا عن مصر الجديدة المتحررة من القمع والتعذيب والفساد والمحسوبية، والمنفتحة على شبابها وعلى خطط تنمية حقيقية، والمتصالحة مع نفسها ومع العالم القريب والبعيد، والمتبنية لمبادئ الديمقراطية والحقوق والحريات على نحو يصنع لنا مكانا فى تاريخ البشرية المعاصر. واليوم ندرك أن مصر الجديدة هذه ليست معنا بعد، وأن التحرر من الظواهر السلبية التى وسمت عقود الرئيس الأسبق مبارك ليس بالأمر الهين الذى ينجز فى أيام معدودات، وأن شبح عودة مصر القديمة لم يتوار بعد ولن يتوارى بسهولة.

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.