عمرو حمزاوى يكتب | منظومتان, والنتائج معلومة سلفًا!

عمرو حمزاوى يكتب | منظومتان, والنتائج معلومة سلفًا!

عمرو حمزاويحين تمر الأمم والشعوب بفترات ضعف وتراجع أو تعانى من أزمات وانكسارات متتالية، فإن نخب الحكم والاقتصاد والمال وكذلك النخب الحاملة لأختام المؤسسات الدينية والنافذة فى المساحات الفكرية والسياسية والإعلامية تصبح أمام اختيار حدى بين البحث عن سبل التغيير الإيجابى وبين محاولة التعايش مع الأوضاع السلبية القائمة بغية الحفاظ على السلطة والامتيازات الخاصة وخوفا من التداعيات غير المعلومة سلفا للتغيير.

من جهة، تعمد النخب الباحثة عن التغيير إلى مكاشفة قطاعات شعبية واسعة بالحقائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (أو ببعضها على أقل تقدير)، وتجتهد لإشراكها فى صناعة القرارات وتحديد التوجهات الكبرى للدولة وللمجتمع عبر آليات الديمقراطية وسيادة القانون المتنوعة، وتقبل تفعيل مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة وتداول السلطة والموقع وفقا لمقتضيات النزاهة والكفاءة والإنجاز.

•••

ولم تصل النخب الباحثة عن التغيير إلى اعتماد منظومة القيم والسلوك هذه إلا بعد تجارب وخبرات إنسانية كثيرة تدلل على أولوية التداول الحر للمعلومات والحقائق إذا ما قورن بالمنع والحجب والتزييف، وتثبت إيجابية الديمقراطية وقدرة آلياتها مقرونة بسيادة القانون على إشراك الناس والتعبير عن أهدافهم ومصالحهم المتضاربة والحيلولة دون عزوفهم عن الشأن العام (أو استقالتهم منه) إذا ما قورنت بالنظم الشمولية والسلطوية والنظم المسخ التى إما تتجاهل الناس أو تنطلق من افتراضات واهية مثل «الحزب الواحد هو طليعة الشعب والمعبر عن الجماهير» و«القائد المخلص والبطل الملهم يدرك أنات وآمال الشعب ويتواصل معه بكاريزما الزعامة المباشرة» و«الحكومة الدينية تترجم بمفردها شرع الإله فى كافة مناحى الحياة الخاصة والعامة وليس على الناس إلا الامتثال والالتزام» وغيرها، وتظهر أيضا أن مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة وتداول السلطة تشكل أساسا صلبا لدفع المؤسسات العامة والخاصة إلى الإنجاز ولشحذ همم المواطنات والمواطنين على المشاركة والإسهام فى التغيير عبر صناعة ثقافة المساواة فى الحقوق والواجبات وضمان حيادية المؤسسات العامة وامتناع المؤسسات الخاصة عن التورط فى التمييز.

بتطبيقات لمنظومة القيم والسلوك هذه، وعلى الرغم من شيء من التفاوت فى التفاصيل المجتمعية والسياسية والمؤسسية، تجاوزت الديمقراطيات الغربية كارثتى الحربين العالميتين وأعادت لشعوبها الاقتراب من الأمن والنمو الاقتصادى والحرية والمبادرة الفردية. وبها خرجت كل من ألمانيا واليابان بعد دمار الحرب العالمية الثانية واسع النطاق من وضعية «الأمة المنسحقة» و«الشعب المحطم» لتسجلا نجاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية متتالية ولتتحولا إلى مواقع الصدارة العالمية. وبمنظومة المكاشفة وحرية تداول المعلومات والحقائق وآليات الديمقراطية وسيادة القانون تمكنت بعض دول ومجتمعات الجنوب كالهند وكوريا الجنوبية والبرازيل وشيلى وغانا وجنوب أفريقيا من الإنجاز الاقتصادى أو الاجتماعى أو السياسى ووضعت شعوبها على مسارات التغيير الإيجابى.

أما النخب المعنية بالتعايش مع الضعف والتراجع وبالتحايل على أمراض الدولة والمجتمع وعلى الانكسارات والأزمات دون تغيير فديدنها هو الخوف على سلطتها ومصالحها وامتيازاتها الخاصة وخشية النتائج غير المتوقعة والتداعيات غير المعلومة سلفا للتغيير. هذه النخب، وهى تحكم وتهيمن وتسيطر على الدول والمجتمعات فى النظم الشمولية والسلطوية والنظم المسخ وتستغل القطاعات الشعبية الواسعة اقتصاديا واجتماعيا وتقمعها سياسيا، أسيرة شعورها المستمر بالعجز عن الانفتاح على عمليات التغيير أو إدارة تفاصيلها دون أن تنهار أو تتصارع مكوناتها أو تفقد القليل المتبقى لها من مصداقية وتأييد عام.

•••

تقاوم نخب التعايش والتحايل التداول الحر للمعلومة، وترفض مكاشفة الناس بالحقائق موظفة لمؤسسات وأجهزة وأفراد مهمتهم هى تجميل الواقع وتزييف الوعى. الكثير من هذه النخب يدعى القرب من الشعب / الناس / الجماهير / جموع المواطنين، وقد يوظف القبول الشعبى لمؤسسة بعينها (الحزب الواحد أو المؤسسة الملكية فى الملكيات غير الدستورية أو مؤسسة الرئاسة) أو يصنع هالات الكاريزما والزعامة حول قيادات بعينها لصناعة صورة زائفة عن القرب بين البطل والجماهير وعن تواصلهم المباشر (المتجاوز للحدود المجتمعية والسياسية والمؤسسية والمتجاوز لحقائق الحكم والسلطة) الذى يمكن الجماهير من المشاركة فى صناعة القرار وتحديد التوجهات الكبرى ــ فى العلوم السياسية نوصف هذه الصورة الزائفة بالشعبوية. تدعى نخب التعايش والتحايل ذلك، بل وبعضها يدفع إلى الواجهة بادعاء البحث عن التغيير والإصلاح والإنجاز خاصة فى لحظات انتقال السلطة إلى «زعيم» جديد أو حين يعاد بناء العلاقات بين مكونات النخب (مثلا باتجاه هيمنة مكون عسكرى أو أمنى أو صعود لنفوذ المصالح الاقتصادية والمالية الكبرى أو كل هذا معا). إلا أن الحقيقة التى تثبتها تجارب وخبرات إنسانية كثيرة هى من جهة أن نخب التعايش والتحايل يحركها هاجس الحفاظ على السلطة والمصالح والامتيازات وتحسب فعلها الاقتصادى والاجتماعى والسياسى وفقا له، ومن جهة أخرى كون هذه النخب لا تريد من المواطن (المعرف ليس فرديا بل بنسبته إلى الجماهير) إلا التأييد وتعرضه لصنوف القمع والتعقب والتقييد والتضييق ما أن يحيد عنه.

•••

ولأن نخب التعايش والتحايل تعمق من الضعف والتراجع وتراكم من الانكسارات والأزمات، ولأن أدوات تجميل الواقع وتزييف الوعى وأساليب القمع والتعقب دوما ما تفقد فاعليتها بعد فترة زمنية وجيزة، ولأن مكونات هذه النخب الباحثة عن الحفاظ على مصالح تتداخل بها مقتضيات الحكم والسلطة والسياسة مع الثروة والمال والنفوذ غير قادرة على الانفتاح على إصلاحات ولو جزئية، ولأن كلفة توظيف القوة المفرطة ضد أمم وشعوب ضعيفة ومأزومة مرتفعة داخليا وخارجيا؛ فإن نخب التعايش والتحايل تعمد إلى الترويج لمقولات التآمر بهدف ضبط المجتمع والسيطرة على عقل المواطن (دون إشراكه فى الشأن العام) وتعول أيضا على إنتاج الصور الرومانسية إما عن «الماضى التليد» أو عن «المستقبل الباهر» الذى ينتظر شعب الحزب الواحد أو جماهير الزعيم.

وحصاد ذلك ضعف لا ينتهى وتراجع لا يتوقف وانكسارات وأزمات تصبح مزمنة، وهذا هو حالنا فى مصر اليوم.

وكذلك النخب الحاملة لأختام المؤسسات الدينية والنافذة فى المساحات الفكرية والسياسية والإعلامية تصبح أمام اختيار حدى بين البحث عن سبل التغيير الإيجابى وبين محاولة التعايش مع الأوضاع السلبية القائمة بغية الحفاظ على السلطة والامتيازات الخاصة وخوفا من التداعيات غير المعلومة سلفا للتغيير.

من جهة، تعمد النخب الباحثة عن التغيير إلى مكاشفة قطاعات شعبية واسعة بالحقائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (أو ببعضها على أقل تقدير)، وتجتهد لإشراكها فى صناعة القرارات وتحديد التوجهات الكبرى للدولة وللمجتمع عبر آليات الديمقراطية وسيادة القانون المتنوعة، وتقبل تفعيل مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة وتداول السلطة والموقع وفقا لمقتضيات النزاهة والكفاءة والإنجاز.

•••

ولم تصل النخب الباحثة عن التغيير إلى اعتماد منظومة القيم والسلوك هذه إلا بعد تجارب وخبرات إنسانية كثيرة تدلل على أولوية التداول الحر للمعلومات والحقائق إذا ما قورن بالمنع والحجب والتزييف، وتثبت إيجابية الديمقراطية وقدرة آلياتها مقرونة بسيادة القانون على إشراك الناس والتعبير عن أهدافهم ومصالحهم المتضاربة والحيلولة دون عزوفهم عن الشأن العام (أو استقالتهم منه) إذا ما قورنت بالنظم الشمولية والسلطوية والنظم المسخ التى إما تتجاهل الناس أو تنطلق من افتراضات واهية مثل «الحزب الواحد هو طليعة الشعب والمعبر عن الجماهير» و«القائد المخلص والبطل الملهم يدرك أنات وآمال الشعب ويتواصل معه بكاريزما الزعامة المباشرة» و«الحكومة الدينية تترجم بمفردها شرع الإله فى كافة مناحى الحياة الخاصة والعامة وليس على الناس إلا الامتثال والالتزام» وغيرها، وتظهر أيضا أن مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة وتداول السلطة تشكل أساسا صلبا لدفع المؤسسات العامة والخاصة إلى الإنجاز ولشحذ همم المواطنات والمواطنين على المشاركة والإسهام فى التغيير عبر صناعة ثقافة المساواة فى الحقوق والواجبات وضمان حيادية المؤسسات العامة وامتناع المؤسسات الخاصة عن التورط فى التمييز.

بتطبيقات لمنظومة القيم والسلوك هذه، وعلى الرغم من شيء من التفاوت فى التفاصيل المجتمعية والسياسية والمؤسسية، تجاوزت الديمقراطيات الغربية كارثتى الحربين العالميتين وأعادت لشعوبها الاقتراب من الأمن والنمو الاقتصادى والحرية والمبادرة الفردية. وبها خرجت كل من ألمانيا واليابان بعد دمار الحرب العالمية الثانية واسع النطاق من وضعية «الأمة المنسحقة» و«الشعب المحطم» لتسجلا نجاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية متتالية ولتتحولا إلى مواقع الصدارة العالمية. وبمنظومة المكاشفة وحرية تداول المعلومات والحقائق وآليات الديمقراطية وسيادة القانون تمكنت بعض دول ومجتمعات الجنوب كالهند وكوريا الجنوبية والبرازيل وشيلى وغانا وجنوب أفريقيا من الإنجاز الاقتصادى أو الاجتماعى أو السياسى ووضعت شعوبها على مسارات التغيير الإيجابى.

أما النخب المعنية بالتعايش مع الضعف والتراجع وبالتحايل على أمراض الدولة والمجتمع وعلى الانكسارات والأزمات دون تغيير فديدنها هو الخوف على سلطتها ومصالحها وامتيازاتها الخاصة وخشية النتائج غير المتوقعة والتداعيات غير المعلومة سلفا للتغيير. هذه النخب، وهى تحكم وتهيمن وتسيطر على الدول والمجتمعات فى النظم الشمولية والسلطوية والنظم المسخ وتستغل القطاعات الشعبية الواسعة اقتصاديا واجتماعيا وتقمعها سياسيا، أسيرة شعورها المستمر بالعجز عن الانفتاح على عمليات التغيير أو إدارة تفاصيلها دون أن تنهار أو تتصارع مكوناتها أو تفقد القليل المتبقى لها من مصداقية وتأييد عام.

•••

تقاوم نخب التعايش والتحايل التداول الحر للمعلومة، وترفض مكاشفة الناس بالحقائق موظفة لمؤسسات وأجهزة وأفراد مهمتهم هى تجميل الواقع وتزييف الوعى. الكثير من هذه النخب يدعى القرب من الشعب / الناس / الجماهير / جموع المواطنين، وقد يوظف القبول الشعبى لمؤسسة بعينها (الحزب الواحد أو المؤسسة الملكية فى الملكيات غير الدستورية أو مؤسسة الرئاسة) أو يصنع هالات الكاريزما والزعامة حول قيادات بعينها لصناعة صورة زائفة عن القرب بين البطل والجماهير وعن تواصلهم المباشر (المتجاوز للحدود المجتمعية والسياسية والمؤسسية والمتجاوز لحقائق الحكم والسلطة) الذى يمكن الجماهير من المشاركة فى صناعة القرار وتحديد التوجهات الكبرى ــ فى العلوم السياسية نوصف هذه الصورة الزائفة بالشعبوية. تدعى نخب التعايش والتحايل ذلك، بل وبعضها يدفع إلى الواجهة بادعاء البحث عن التغيير والإصلاح والإنجاز خاصة فى لحظات انتقال السلطة إلى «زعيم» جديد أو حين يعاد بناء العلاقات بين مكونات النخب (مثلا باتجاه هيمنة مكون عسكرى أو أمنى أو صعود لنفوذ المصالح الاقتصادية والمالية الكبرى أو كل هذا معا). إلا أن الحقيقة التى تثبتها تجارب وخبرات إنسانية كثيرة هى من جهة أن نخب التعايش والتحايل يحركها هاجس الحفاظ على السلطة والمصالح والامتيازات وتحسب فعلها الاقتصادى والاجتماعى والسياسى وفقا له، ومن جهة أخرى كون هذه النخب لا تريد من المواطن (المعرف ليس فرديا بل بنسبته إلى الجماهير) إلا التأييد وتعرضه لصنوف القمع والتعقب والتقييد والتضييق ما أن يحيد عنه.

•••

ولأن نخب التعايش والتحايل تعمق من الضعف والتراجع وتراكم من الانكسارات والأزمات، ولأن أدوات تجميل الواقع وتزييف الوعى وأساليب القمع والتعقب دوما ما تفقد فاعليتها بعد فترة زمنية وجيزة، ولأن مكونات هذه النخب الباحثة عن الحفاظ على مصالح تتداخل بها مقتضيات الحكم والسلطة والسياسة مع الثروة والمال والنفوذ غير قادرة على الانفتاح على إصلاحات ولو جزئية، ولأن كلفة توظيف القوة المفرطة ضد أمم وشعوب ضعيفة ومأزومة مرتفعة داخليا وخارجيا؛ فإن نخب التعايش والتحايل تعمد إلى الترويج لمقولات التآمر بهدف ضبط المجتمع والسيطرة على عقل المواطن (دون إشراكه فى الشأن العام) وتعول أيضا على إنتاج الصور الرومانسية إما عن «الماضى التليد» أو عن «المستقبل الباهر» الذى ينتظر شعب الحزب الواحد أو جماهير الزعيم.

وحصاد ذلك ضعف لا ينتهى وتراجع لا يتوقف وانكسارات وأزمات تصبح مزمنة، وهذا هو حالنا فى مصر اليوم.

 

 

 

 

المصدر:الشروق

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.