عمرو حمزاوى يكتب | مواجهة الإرهاب.. خبرات عالمية

عمرو حمزاوى يكتب | مواجهة الإرهاب.. خبرات عالمية

عمرو حمزاوي

فى أعقاب الهجمات الإرهابية فى 11 سبتمبر 2001، استغلت إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش (الابن) لحظة خوف شعبى واسع لتمرير العديد من القرارات والإجراءات الاستثنائية التى هددت حكم القانون وضمانات الحقوق والحريات، وعنت تعريض المواطن صاحب الأصول العربية أو الإسلامية وكذلك المجموعات المقيمة ذات الجذور العربية أو الإسلامية لمراقبة أمنية واستخباراتية غير عادلة.

ولم يستعد حكم القانون فى الولايات المتحدة الأمريكية بعضا من عافيته إلا بفعل مقاومة السلطة القضائية المستقلة للقرارات وللإجراءات الاستثنائية، ودور المجتمع المدنى والإعلام الحر فى توثيق وكشف جرائم التعذيب والانتهاكات وتوعية الرأى العام بخطورة ذبح الحقوق والحريات أثناء مواجهة الإرهاب، ثم بعد تمكن الحزب الديمقراطى المعارض لسياسات بوش من حصد مقاعد الأغلبية فى الكونجرس وإيصال مرشحه أوباما إلى البيت الأبيض فى 2008. وعلى الرغم من ذلك، لم تتخلص الولايات المتحدة إلى اليوم من قرارات وإجراءات استثنائية أسست لها فترة بوش الابن 2000-2008، ولم يزل معتقل جوانتانامو يشهد على ذلك شأنه شأن انتهاكات أخرى للحقوق وللحريات فى أفغانستان والعراق وغيرهما ليست القوة الكبرى ببعيدة عنها.

وحين تكررت هجمات إرهابية مشابهة لهجمات 11 سبتمبر 2001 فى بعض البلدان الأوروبية (بريطانيا وإسبانيا)، سعت بعض الحكومات أو الائتلافات الحاكمة (خاصة تلك ذات التوجه اليمينى) إلى تمرير قرارات وإجراءات استثنائية مطابقة لقرارات وإجراءات بوش الابن ــ إن بالتوسع فى المراقبة الشاملة للمواطنات وللمواطنين ذوى الأصول العربية والإسلامية وللمجموعات المقيمة، أو بتقليص الضمانات القانونية للحقوق وللحريات والتورط فى ممارسات تعسفية كالتنصت وإبعاد بعض المقيمين عن أوروبا بإلغاء تراخيص الإقامة والعمل، أو بالتنسيق الأمنى والاستخباراتى مع الأجهزة الأمريكية. إلا أن البرلمانات والسلطات القضائية حالت فى بريطانيا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلدان أخرى دون الانزلاق على منحدر بوش وذبح الحقوق والحريات أثناء مواجهة الإرهاب، وأوقفت الشق الأكبر من القرارات والإجراءات الاستثنائية ولم يمر إلا القليل الذى لم يزل يؤرق ضمائر السياسيين والقانونيين والنخب الفكرية المدافعة عن سيادة القانون والديمقراطية.

واضطلعت المنظمات المدنية والإعلام الحر بدور جوهرى فى توعية الرأى العام بإمكانية مواجهة الإرهاب دون التضحية بالحقوق والحريات, وفى تثبيت فاعلية مواجهة الإرهاب بمزيج من الأدوات العسكرية (خارج أوروبا) والأمنية ومن الأدوات التنموية والمجتمعية (لمعالجة الحظوظ الاقتصادية والاجتماعية المحدودة لذوى الأصول العربية أو الإسلامية) والسياسية (لدمجهم فى الحياة العامة) والفكرية (لمحاربة التطرف).

ومع أن أوروبا لم تتخلص بالكامل من الإرهاب أو توقف انضمام مواطنين ومقيمين على أراضى بلدانها للتنظيمات الإرهابية، إلا أن خبراتها وكذلك بعض جوانب الخبرة الأمريكية بعد أن استعاد حكم القانون عافيته تدلل مجتمعة على فاعلية مواجهة الإرهاب دون قرارات أو إجراءات استثنائية ودون ترشيد للمواجهة عن طريق نقاش عام موضوعى وتعددى، ومشاركة للمجتمع المدنى وللإعلام الحر مع تمكين الأصوات المعارضة والناقدة من الوصول إلى الناس، وبالابتعاد عن استغلال لحظات الخوف والتضامن الشعبى للاندفاع بعيدا عن حكم القانون وضماناته أو لاختزال أدوات المواجهة فى حلول عسكرية وأمنية فقط تظل ضرورية وغير كافية فى آن واحد.

أرجو أن نطالع خبرات العالم من حولنا، وأن نتدبر فى ما تحمله لنا من مدلولات، وأن نتثبت من فاعلية مواجهة الإرهاب دون تضحية بالحقوق والحريات.

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.