عمرو حمزاوي يكتب| حوار مع باحث بعيد عن الحياة السياسية

عمرو حمزاوي

لباحث: كتاباتك اليومية ومداخلاتك بشأن السياسة فى مصر تنطلق من فهم ليبرالى كلاسيكى للديمقراطية يرى فى الانتخابات الدورية وسيادة القانون والمشاركة الشعبية المداخل الوحيدة لبنائها ويتجاهل حقائق الدولة والمجتمع.

كاتب هذه السطور: ما الذى تعنيه بحقائق الدولة والمجتمع؟

الباحث: أنت تتجاهل أن الآلية الانتخابية بمفردها غير كافية لبناء الديمقراطية ويسهل التلاعب بها عبر شبكات المصالح المنظمة، إن السياسية كجماعة الإخوان خلال العامين ٢٠١١ و٢٠١٢ أو الاقتصادية والمالية على النحو الذى شاهدناه بشأن توظيف المال الانتخابى من اليمين الدينى ومن الممولين الكبار للأحزاب التى ترفع يافطات الليبرالية واليسار.

كاتب هذه السطور: لا أتجاهل ذلك على الإطلاق، إلا أن الآلية الانتخابية على جوانب قصورها المختلفة تظل الوحيدة القادرة على إدارة تداول سلمى للسلطة، وعلى تمكين المواطن من المشاركة فى الشأن العام. بالقطع، يسهل التلاعب بالانتخابات سياسيا وماليا بل وبتوظيف الدين، وفى الكثير من الأحيان يشارك بالانتخابات قوى وتيارات وأحزاب تروج لقيم ومفاهيم مضادة للحرية وللحق وللمساواة وللمواطنة. لكنها تظل الآلية الوحيدة، والتى لا تعنى أن جموع المواطنات والمواطنين يقدمون بعد المشاركة فى الانتخابات شيكا على بياض لـ«المنتخب» لكى يفعل ما يحلو له ويتجاوز القيم والإجراءات الديمقراطية ويعصف بالحقوق والحريات، بل تمكنهم من مراقبته والمطالبة بتغييره ديمقراطيا عبر انتخابات مبكرة (برلمانية أو رئاسية) ــ ولهذا شاركت فى ٣٠ يونيو ــ أو عبر سيادة القانون والعملية القضائية ــ عزل الرؤساء المنتخبين حين يخالفون الدساتير أو القوانين أو ينقلبون على النظام الديمقراطى.

الباحث: مقاربتك نظرية. لك بالقطع أن تؤمن بها وتدافع عنها وتبنى موقفا متسقا انطلاقا منها، إلا أنها تظل نظرية أو تحتاج فى أحسن الأحوال لعقود طويلة لكى تترجم إلى واقع فى مصر. وإلى أن يحدث هذا، أى إلى أن نصل إلى الانتخابات التعددية النزيهة والتداول السلمى للسلطة وسيادة القانون، عليك أن تسلم بأن ما تراه انقلابا على الديمقراطية أو انحرافا عن المسار الديمقراطى سيتكرر ولن يعدم أبدا من يؤيده شعبيا وعلى نطاق واسع، كما تدلل وضعيتنا الراهنة.

كاتب هذه السطور: المعضلة هى أن تكرر الابتعاد عن قيم الديمقراطية وإجراءاتها لا يمكن أبدا من أن تصل الانتخابات وسيادة القانون إلى مستويات الاستقرار والثبات والتجرد التى تبحث عنها أو أن تدار عملية تداول السلطة على نحو لا يستبدل فاشية بفاشية أو إقصاء بإقصاء وفى إطار ضمان الحقوق والحريات. السبيل الوحيد هو التمسك بالديمقراطية على الرغم من جميع عثراتها ونواقصها والالتزام بها، كما يضطر الباحث عن النجاة من الغرق إلى مجابهة البحر وأمواجه حتى يصل بمفرده إلى الشاطئ أو تنتشله أيادى المنقذين، علما بأن ليس لنا من حولنا (الإقليم) أو من بعيد عنا (القوى العالمية) من يريد إنقاذ الديمقراطية فى مصر.

الباحث: لا فائدة من إقناعك بأن مقاربتك نظرية، بل تبدو وكأنك تفترض بالمصريات والمصريين قدرة خرافية على مجابهة الأوضاع الصعبة التى ترتبها التحولات الديمقراطية وتنتظر منهم التمسك بالبقاء فى البحار، وهو أمامهم شاطئ أمن تمثله دولة يديرها المكون العسكرى الأمنى ويبنى بها تحالفات تمهد تدريجيا لمسار ديمقراطى تدريجى يتغلب على خطر التلاعب بالإجراءات الانتخابية أو نزع مضمونها المرتبط بالحرية والحق والمساواة والمواطنة.

كاتب هذه السطور: لك أنت أن تنظر للأوضاع المصرية هكذا وأن تثق فى صحة ما تدفع به، لا أنازعك. فقط أختلف، وأسجل أن المكون العسكرى الأمنى لن ينتج إلا انتهاكات للحقوق وللحريات ولن يمهد لتوافقات أو تحالفات تبنى ديمقراطية حقيقية أو تدفع بالتنمية وبالأحوال الاقتصادية والاجتماعية. هذا المكون لا يستطيع ذلك، بل ويضعف الدولة ومؤسسات المجتمع ويضعهم فى معية أخطار الظلم وغياب العدل.

الباحث: لك هذا أيضا.

المصدر | جريدة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.