عمرو حمزاوي يكتب: عن الفاشية التى بداخلنا.. مرة أخرى

عن الفاشية التى بداخلنا.. مرة أخرى
عمرو حمزاوي

فى 15 مارس 2014، كتبت فى هذه الصفحة تحت عنوان ميشيل فوكو.. والفاشية التى بداخلنا..ما نصه:

الفاشية فى رؤوسنا وفى سلوكنا اليومى هى التى جعلت الكثير من المصريات والمصريين متلقين لخطاب التخوين والكراهية وتبرير العقاب الجماعى الذى سيطر على المساحة العامة إلى حد توريط رافضيه فى الاستخدام المعكوس لذات المضامين. الفاشية فى رؤوسنا وفى سلوكنا اليومى هى التى زينت لمدعى الديمقراطية والحرية والمدنية والتحضر التخلى عن المبادئ وتغيير المواقع والالتحاق السريع بالتيار العام غير الممانع فى الخروج عن الديمقراطية ولا القضاء على الحرية وغير المكترث بانتهاكات حقوق الإنسان، بل وتقديم التبريرات البشعة لكل ذلك (بعض تقارير المجلس القومى لحقوق الإنسان وتصريحات بعض الاعضاء به) أو الصمت المطبق عنه (مواقف بعض الكتاب والسياسيين والإعلاميين).

الفاشية فى رؤوسنا وفى سلوكنا اليومى هى التى مكنت الأجهزة الأمنية من إعادة إنتاج القمع دون خوف من غضبة شعبية واسعة، وسمحت لرموز مؤسسات دينية رسمية بإضفاء شرعية زائفة على خطاب الكراهية والعقاب الجماعى. الفاشية فى رؤوسنا وسلوكنا اليومى هى التى تباعد بين الكثيرين وبين التوقف أمام التقارير المتواترة عن العنف والتعذيب أو أمام الحالات المتراكمة لتقييد حرية المعارضين ومعاقبتهم على الرأى والموقف أو أمام تصاعد الجرائم ضد النساء وضد الفئات الضعيفة فى المجتمع، بل وتحول بينهم وبين مجرد التعبير عن التضامن أو التعاطف مع الضحايا.

***

الفاشية المحبة للسلطة هى التى زجت بالرأى العام إلى خانات تأييد «البطل المنتظر» ورفعته إلى مقام «مقدس» لا يباح معه نقد رؤيته أو الشك فى فاعلية سياساته المقترحة أو حتى مجرد التساؤل، فالخيار الوحيد هو التأييد والتماهى والانسحاق. الفاشية المحبة للسلطة هى التى هددت بأن تمحى من ذاكرة المصريات والمصريين أن عقودا طويلة من هيمنة المكون العسكرى ــ الأمنى على البلاد لم ترتب لا تقدمها ولا رفعتها ولا نموها وأن المؤسسات العسكرية والأمنية لكى تضطلع بأدوارها الوطنية لابد وأن تخرج من السياسة وتقبل رقابة المدنيين المنتخبين (كنواب عن المجتمع) على التزامها بسيادة القانون وعلى تشريعاتها وموازناتها وأنشطتها المختلفة (الربحية وغير الربحية).

الفاشية المحبة للسلطة هى التى مهدت للنخب السياسية والحزبية والاقتصادية والمالية والإعلامية الالتحاق بركب «الأقوياء المنتصرين» ورجم «المغضوب عليهم» بأدوات مختلفة ولفوائد متنوعة من بينها الرغبة الذاتية للملتحقين وللمستتبعين فى الشعور بسلامة اختياراتهم عبر تخوين وتشويه المعارضين. الفاشية المحبة للسلطة هى التى مكنت النخب هذه من ضبط البوصلة وتغيير الوجهة مع تقلبات الحكم والمعارضة ليضمنوا دوما الالتحاق بالسلطة ــ ولو فى المقاعد الخلفية ــ وينقلبوا بسرعة على من أخرجوا من دوائرها. الفاشية المحبة للسلطة هى التى همشت ساحات الفعل المتاحة لرافضى ثنائية «إما معنا أو معهم» والمتخوفين من تداعياتها الكارثية على السلم الأهلى والعيش المشترك. الفاشية المحبة للسلطة هى التى عطلت السياسة كنشاط بشرى يهدف إلى تحقيق الصالح العام وقيم الحق والعدل والحرية واختزلتها فى صراع بلا منفعة للناس بين حكام اليوم وحكام الأمس.

هنا ينتهى الاقتباس من كلمات ربيع 2014، ويبدأ فى خريف 2015 الخوف من استمرار «سطوة الفاشية التى فى الرؤوس» على الرأى العام وعلى بعض القطاعات الشعبية المؤثرة فى مصر.

***

أما الرأى العام، وتوجهاته مازال يشكلها خليط من خدمة السلطان المتماهين مع «البطل المنقذ» والمكارثيين من دعاة تخوين وتجريم الرأى الآخر الذين تطلقهم الأجهزة الأمنية على الناس وبعض المستتبعين من قبل دوائر الحكم والثروة والنفوذ ممن يجيدون ادعاء استقلالية وهمية والتقلب بين مواضع الالتصاق بالمصالح التى يمثلونها ومواقع النقد الجزئى لها، فى أن اليوم مجددا بسبب إعادة التدوير الكارثية لأوهام «المؤامرة العالمية ضد مصر» ومقولات التوحد مع رأس السلطة التنفيذية فى «حالة الحرب» التى تمر بها البلاد وفى «صراعاتها» مع قوائم «الأعداء والمتربصين» وخطاب الكراهية باتجاه أصحاب الرأى الآخر والمطالبين بالمقاومة السلمية لمظالم وانتهاكات وفشل الحكم.

وأما حال بعض القطاعات الشعبية المؤثرة، فيعبر عنه ولع الكثير من المصريات والمصريين بأوهام «المؤامرة»، وتقبلهم للامتناع عن مساءلة ومحاسبة الحكم بشأن أخطائه المتراكمة لكون «حالة الحرب» المزعومة على الوطن تستدعى إما التأييد أو الصمت، ومن ثم يتكرر تورطهم فى الفاشية المحبة للسلطة، بعد أن كانوا قد قدموا بانصرافهم عن المظاهر الزائفة للتأييد الشعبى للحكم وبعزوفهم عن «ملهاته الانتخابية» وبتململهم من تخبط قراراته ومحدودية النتائج الإيجابية لسياساته وبتنامى رفضهم للمظالم وانتهاكات الحقوق والحريات دلائل على وعيهم بمسئولية الحكم عن أزمات مصر الراهنة.

***

ويعبر أيضا عن السطوة الشعبية «للفاشية التى فى الرؤوس» القابلية المريبة لدى الكثير من المصريات والمصريين للتنكر للقيم الأخلاقية والإنسانية والانقلاب على مضامين العدل والتماهى مع مفهوم «القوة الباطشة» حين يخرج عليهم الحكم وأجهزته ودوائره بانتهاكات يومية لحقوق وحريات غيرهم من المواطنين. لا تفسير آخر لدى لهيستيريا التهليل الجمعى للقمع والتشفى الممجوج باتجاه ضحاياه والمزايدة المريضة على انتهاكات الحكم بالمطالبة بانتهاكات أشد وطأة؛ يستوى فى ذلك خلال الأيام القليلة الماضية تداول الناس للصور المهينة التى التقطت للمهندس صلاح دياب أثناء «عملية القبض عليه»، وتشفى بعض المتأثرين بخدمة السلطان ومكارثيى تخوين أصحاب الرأى الآخر فى تواصل سلب حرية إسراء الطويل وسلب حرية حسام بهجت قبل «إخلاء سبيله»، ومطالبة البعض الآخر للحكم «بإعدام» المعارضين والمغردين خارج السرب وعدم الاكتفاء بسلب الحرية أو التعذيب أو المنع من السفر أو المنع من الكتابة أو غير تلك من صنوف العقاب التى يرونها واهية وغير مجدية.

***

ويعبر، أخيرا، عن «الفاشية التى فى الرؤوس» استعداد بعض المصريات والمصريين الذين يقرون بتراكم المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات ويرفضون تبريراتها الفاسدة ويدعون لفظيا الدفاع عن مبادئ الديمقراطية والمدنية للتعامل بمعايير مزدوجة مع الضحايا، فيقرون وجودهم ويتضامنون معهم حين يكونون من المنتمين لذات المساحة «المدنية»، ويتنكرون لهم أو يمتنعون عن التضامن الفعال معهم حال تصنيف الضحايا كمنتمين لتيارات اليمين الدينى ومتعاطفين معها.

فالمعايير المزدوجة هذه، والتى تتورط تقليديا بتوظيفها الطبقات الميسورة والمتوسطة على نحو أشد وطأة من الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل، تعمق من الفاشية بداخلنا ولا تقل تداعياتها السلبية عن أوهام المؤامرة وخطاب الكراهية والتخوين أو عن التهليل الجمعى للقمع والتماهى مع القوة الباطشة.

المصدر: جريدة الشروق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.