عمرو خحفاجى يكتب | المغادرون

عمرو خحفاجى يكتب | المغادرون

عمرو-خفاجى

من الإنصاف ألا نغفل أن مصر، بفضل نبيل فهمى، صار عندها وزارة خارجية، وزارة تقوم بمهامها التاريخية الواجبة والتى تأسست ما قبل يوليو ١٩٥٢، وترسخت بعدها فى ظل قيادة الدكتور محمود فوزى، ثم غابت بفعل تدخل الرؤساء وأجهزتهم القوية، حتى عندما قامت ثورة يناير لم يتغير فى الأمر شىء، وبوصول مرسى إلى مقعد الرئاسة تهمشت الخارجية تماما، وحينما جاء عدلى منصور مؤقتا فى مقعد الرئاسة، منح الخارحية صلاحياتها، والتى كانت على قدر المسئولية فعلا، من دون صخب أو استعراض عضلات، وأعاد نبيل فهمى دورها الفاعل على كافة الأصعدة، خاصة وأنه جاء للوزارة فى ظروف بالغة التعقيد على الصعيد الداخلى، وفى لحظة فارقة على المستويين الإقليمى والدولى، كانت مصر فيها هدفا لهجمات غير مفهومة (ربما حتى الآن) أعتقد أن الخارجية نجحت فى صدها كما نجحت فى إعادة تمركز مصر مجددا، نافضا عنها علاقات التبعية التى كانت سائدة من قبل، وكان من المدهش حقا أن يشهد نهاية عصر نبيل فهمى، عودة مصر للاتحاد الأفريقى، ليحصد آخر ثمار جهده، ولتقف مصر مجددا بقامتها على رأس الاتحاد التى كانت صاحبة الفضل فى وجوده وفعاليته، ولم يكن من السهل علينا أبدا أن نكون خارجه، أو تكون عضويتنا مجمدة فى كيان صنعناه فى لحظات تاريخية فذة.

فى تقديرى، أن أهم ما فعله نبيل فهمى، أنه أعاد وزارة الخارجية للمواطنين، فبعدما كان المواطنون يخشون الاقتراب من مبناها على كورنيش النيل، أو الذهاب إلى مقار سفاراتنا فى الخارج طلبا للمساعدة، صارت هى المقصد الأول، والملاذ المضمون لحل أى مشكلة، وربما لأول مرة فى تاريخ هذه الوزارة التى تشاهد فيها مواطنين بسطاء يسألون عن ذويهم فى بلاد الدنيا ويجلسون مع السفراء وكبار الدبلوماسيين، ولم تعد مبانى الوزارة قاصرة على أصحاب الياقات البيضاء كما كانت طوال عمرها، لا أعتقد أننا، من قبل، عرفنا الخارحية تتحرك لمساعدة أبناء الوطن المقيمين فى الخارج فى أزماتهم الكبرى، تتحرك لإجلاء مواطنين لنقلهم أو للدفاع عن حقوقهم، والأهم أن هذا لم يكن يتأخر أبدا، منذ اللحظات الأولى لبدء أى أزمة، نسمع موقف الخارجية، عبر صوت متحدثها الرسمى السفير بدر عبدالعاطى، موضحا وشارحا ومطمئنا، هذا الرجل بدر عبدالعاطى كان مذهلا حقا اسمعه فى الصباح المبكر، كما أشاهده فى قلب الليل يشرح ويوضح، حتى اعتقدت أنه لا ينام أو أن هناك أكثر من بدر عبدالعاطى.

أعرف من تقاليد الحكم فى مصر أن من يغادر منصبه غالبا يكون غير مرضى عنه، وغالبا ما يخرج فى صمت غير مأسوف عليه، كما أن الإعلام اعتاد الاهتمام بالوافد الجديد على حساب المغادر، وحينما تسأل أحد الكبار عن سر خروج مسئول ما، يقول وكأنه يخفى جريمة (خلينا ساكتين أحسن) وكم من مسئول غادر منصبه بعد أن أبلى بلاء حسنا دون أن نفهم سر الرحيل والمغادرة، وهذا لا يعنى مطلقا أننا مع استمرار المسئولين فى مناصبهم، بل على العكس تماما، التغير ضرورة لتنشيط الهمة والاستفادة بالخبرات المغايرة، أما تصدير الإحساس بتقصير المغادر، فهذا لا يليق أبدا بمصر جديدة، وأحسب أنه من الواجب أن نوجه التحية للرجل الذى كان جادا ومخلصا فى عمله، فتحية لنبيل فهمى والذين كانوا معه، وأهلا بسامح شكرى فهو أيضا صاحب قصة هامة نتركها لمقال الغد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.